بغداد/المسلة:
ماجد حميد الجابري
لم يعد الفساد في العراق مجرد ظاهرة إدارية أو مالية، بل تحول على مدى سنوات طويلة إلى أحد أخطر التحديات التي واجهت الدولة، حتى أصبح عائقاً أمام التنمية، وسبباً رئيسياً في تراجع الخدمات، وتعثر المشاريع، واستنزاف الثروات الوطنية. فلا يمكن لأي دولة أن تحقق نهضة اقتصادية حقيقية أو تجذب الاستثمارات أو توفر حياة كريمة لمواطنيها ما لم تنتصر أولاً في معركة مكافحة الفساد.
وفي هذا الإطار، تحظى الحملة التي تقودها الحكومة العراقية، وما يصاحبها من إجراءات قانونية بحق أشخاص مشتبه بتورطهم في قضايا فساد، باهتمام شعبي واسع، إذ يرى كثير من المواطنين أنها تمثل فرصة لاستعادة هيبة الدولة وترسيخ مبدأ أن لا أحد فوق القانون. ويبقى نجاح هذه الحملة مرهوناً باستمرارها وفق الأصول القانونية، وباستقلالية القضاء، وضمان المحاكمات العادلة، بعيداً عن الانتقائية أو التسييس. كما تبرز أهمية التأكيد على محاسبة المدراء العامين الحاليين والسابقين، باعتبار أن توقيع العديد من العقود تم من قبلهم، وهو ما يستدعي تدقيقاً قانونياً شاملاً لمسؤولياتهم ودورهم في تلك الملفات.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن الأمم لا تنهض بثرواتها الطبيعية وحدها، وإنما بنزاهة مؤسساتها وعدالة قوانينها. فالفساد لا يسرق الأموال فقط، بل يسرق المستقبل، ويقضي على ثقة المواطن بالدولة، ويبعد المستثمرين، ويؤخر التنمية لعقود.
ولعل التجربة السنغافورية تعد من أبرز النماذج العالمية في هذا المجال. فقد كانت سنغافورة في ستينيات القرن الماضي تعاني من الفساد وضعف الموارد، إلا أن القيادة السياسية وضعت مكافحة الفساد في مقدمة أولوياتها، ومنحت هيئة مكافحة الفساد صلاحيات واسعة، وطبقت القانون على الجميع دون استثناء، ورفعت كفاءة الجهاز الحكومي، وربطت المناصب بالكفاءة والنزاهة. واليوم أصبحت سنغافورة من أكبر المراكز المالية والاقتصادية في العالم.
وفي رواندا، التي خرجت من واحدة من أسوأ المآسي الإنسانية في التاريخ الحديث، أدركت القيادة أن إعادة بناء الدولة تبدأ من القضاء على الفساد. فتم إنشاء مؤسسات رقابية مستقلة، ورقمنة معظم الخدمات الحكومية، وتقليل الاحتكاك المباشر بين الموظف والمواطن، وهو ما أسهم في تقليص فرص الرشوة، وتحسين بيئة الاستثمار، وتحقيق معدلات نمو اقتصادي لافتة.
أما كوريا الجنوبية، فقد أثبتت أن محاسبة كبار المسؤولين ورجال الأعمال ليست عائقاً أمام التنمية، بل شرطاً أساسياً لها. فخلال العقود الماضية شهدت البلاد محاكمات طالت شخصيات سياسية واقتصادية رفيعة، في رسالة واضحة بأن القانون يطبق على الجميع، الأمر الذي عزز ثقة المستثمرين ورسخ دولة المؤسسات.
وفي إفريقيا، تقدم بوتسوانا نموذجاً ناجحاً في الإدارة الرشيدة للموارد الطبيعية، حيث استطاعت تحويل ثرواتها المعدنية إلى مشاريع تنموية بفضل الشفافية، ومحاربة المحسوبية، والإدارة الرشيدة للمال العام.
كما تمثل هونغ كونغ مثالاً آخر، إذ نجحت في القضاء على الفساد المستشري في أجهزة الدولة بعد تأسيس لجنة مستقلة لمكافحة الفساد، تمتعت بصلاحيات واسعة واستقلالية عالية، الأمر الذي ساهم في بناء واحدة من أكثر البيئات الاقتصادية جذباً للاستثمار في العالم.
ولا يمكن إغفال التجربة الماليزية، التي عملت على تطوير مؤسساتها الرقابية وتعزيز الشفافية، وشهدت خلال مراحل مختلفة إجراءات لمكافحة الفساد ترافقت مع إصلاحات اقتصادية وإدارية هدفت إلى رفع كفاءة الدولة وتحسين مناخ الاستثمار. كما أن الصين جعلت مكافحة الفساد جزءاً محورياً من سياساتها، ونفذت حملات واسعة ضد مسؤولين في مختلف المستويات، في إطار توجهها لتعزيز الانضباط المؤسسي ودعم التنمية الاقتصادية.
إن العراق يمتلك كل المقومات التي تؤهله ليكون من أقوى اقتصادات المنطقة؛ فهو يملك ثروات نفطية وغازية هائلة، وأراضي زراعية واسعة، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً، وطاقات بشرية كبيرة. لكن هذه الإمكانات لن تتحول إلى تنمية مستدامة ما لم يتم تجفيف منابع الفساد وحماية المال العام.
ومن هنا تبرز أهمية تفعيل المؤسسات الرقابية، وفي مقدمتها دائرة الوقاية في هيئة النزاهة الاتحادية، وتعزيز دورها في متابعة إقرارات الذمة المالية، ورصد تضخم الأموال، والتحقق من مصادر الثروة، وفق القانون، بما يسهم في الوقاية من الفساد قبل وقوعه، إلى جانب استمرار دور الجهات القضائية والرقابية في التحقيق والمساءلة.
كما أن المعركة ضد الفساد ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة يشارك فيها القضاء، والبرلمان، وهيئات الرقابة، ووسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، والمواطنون أنفسهم من خلال رفض الرشوة والإبلاغ عن المخالفات.
ولذلك فإن أي تأييد شعبي للحملات القانونية الرامية إلى مكافحة الفساد يمثل رسالة دعم لمبدأ سيادة القانون، شريطة أن يبقى هذا الدعم موجهاً نحو ترسيخ العدالة والمؤسسات، لا نحو إصدار أحكام مسبقة على الأشخاص قبل اكتمال الإجراءات القضائية.
لقد أثبت التاريخ أن بناء الجسور، والمستشفيات، والجامعات، والمدارس، وشبكات الكهرباء والمياه، يبدأ من حماية المال العام. وكل دينار يُصان من الهدر يمكن أن يتحول إلى مدرسة، أو مستشفى، أو فرصة عمل، أو مشروع تنموي يخدم ملايين العراقيين.
إن مستقبل العراق لا يبدأ من زيادة الإيرادات النفطية فحسب، بل يبدأ من إدارة تلك الإيرادات بنزاهة وكفاءة. وإذا نجحت الدولة في ترسيخ سيادة القانون، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القضاء، وتعزيز الشفافية، فإنها ستضع الأساس الحقيقي لاقتصاد قوي، واستثمار مستدام، ودولة حديثة تستحقها الأجيال القادمة.
فالرسالة واضحة: لا تنمية بلا نزاهة، ولا اقتصاد قوي بلا عدالة، ولا مستقبل آمن للعراق إلا بدولة تحمي المال العام، وتطبق القانون على الجميع دون استثناء.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
البنك المركزي: تفاهم مع الخزانة الأمريكية لإعادة المصارف العراقية لقنوات المراسلة الخارجية
توجه خليجي وأردني للتحالف العسكري مع باكستان
إيران تعلن قصف مواقع أميركية في الخليج ردا على استهداف بنيتها التحتية