المسلة

المسلة الحدث كما حدث

سقوط الأمم لا يبدأ من الحدود… بل من العقول والقيم

سقوط الأمم لا يبدأ من الحدود… بل من العقول والقيم

1 يوليوز، 2026

بغداد/المسلة:

ماجد حميد الجابري

قبل أكثر من أربعين عاماً تحدث يوري بيزمانوف، ضابط الاستخبارات السوفيتي السابق والمنشق إلى كندا، عن ما أسماه “التخريب الأيديولوجي للمجتمعات”. وكان يرى أن أخطر الحروب ليست تلك التي تُخاض بالسلاح، بل تلك التي تستهدف عقل الإنسان وقيمه وهويته، لأنها تؤدي إلى انهيار المجتمع من الداخل دون إطلاق رصاصة واحدة.

ووفقاً لتحليله، تمر عملية التخريب بأربع مراحل: التفكيك الأخلاقي، ثم زعزعة الاستقرار، ثم الأزمة، وأخيراً التطبيع مع الواقع الجديد. إلا أنه كان يؤكد أن المرحلة الأولى هي الأخطر والأهم، لأنها الأساس الذي تُبنى عليه جميع المراحل اللاحقة.

أطلق على هذه المرحلة اسم التفكيك أو التدمير الأخلاقي، وقال إنها تحتاج ما بين 15 إلى 20 سنة، وهي المدة الكافية لتشكيل جيل كامل يحمل قيماً ومفاهيم مختلفة عن تلك التي نشأ عليها مجتمعه. وعندما يصل هذا الجيل إلى مواقع التأثير والقيادة، يصبح هو نفسه أداة لنقل هذه الأفكار إلى الأجيال التي تليه.

ويرى بيزمانوف أن هذه العملية تتم عبر عدة محاور رئيسية:

أولاً: إضعاف المرجعية الدينية

لا يكون الهدف دائماً مهاجمة الدين بشكل مباشر، بل تحويل التشكيك فيه إلى أمر طبيعي ومقبول اجتماعياً. فيُصبح الطعن في الثوابت أمراً عادياً، وتُضعف الثقة برجال الدين، وتُقدَّم القيم الدينية على أنها عائق أمام التقدم أو رمز للتخلف. ومع مرور الوقت يفقد المجتمع مرجعيته الأخلاقية التي كانت تضبط سلوكه وتحافظ على تماسكه.

ثانياً: ضرب منظومة التعليم

يبدأ الأمر بإضعاف مكانة المعلم وهيبته داخل المجتمع، وتقليل دوره التربوي، ثم تحويل التعليم إلى مجرد وسيلة للحصول على الشهادات. كما يتم صرف اهتمام الأجيال عن العلوم الأساسية والمعارف التي تبني التفكير النقدي والتحليل والإبداع، وإشغالهم بقضايا سطحية أو معارف ثانوية لا تسهم في بناء الإنسان أو نهضة المجتمع. وعندما يضعف التعليم الحقيقي يصبح من السهل التأثير في العقول وتوجيهها.

ثالثاً: تفكيك الأسرة

الأسرة هي الحصن الأول للقيم والأخلاق والتربية. وعندما تضعف العلاقة بين الآباء والأبناء وتقل مساحة الحوار والتوجيه، يصبح الأبناء أكثر تأثراً بالمؤثرات الخارجية من تأثرهم بأسرتهم.

وفي عصرنا الحالي أصبحت الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي جزءاً أساسياً من هذا المشهد؛ فبينما تجلس الأسرة في منزل واحد، يعيش كل فرد في عالم مختلف خلف شاشة هاتفه. تقل الحوارات العائلية، وتضعف الروابط الأسرية، ويصبح المؤثر وصانع المحتوى أكثر تأثيراً في تشكيل الأفكار والسلوك من الأب والأم والمعلم. وهكذا تنتقل عملية التربية تدريجياً من الأسرة إلى الفضاء الرقمي.

رابعاً: إشغال المجتمع بالتفاهات

من أخطر وسائل التفكيك الأخلاقي أن يُشغل الناس بالقضايا التافهة على حساب القضايا الجوهرية. يصبح الجدل حول الأمور السطحية أكبر من الاهتمام بالعلم والمعرفة والتنمية والقيم. وتتحول الشهرة إلى هدف، وعدد المتابعين إلى معيار للنجاح، ويُستهلك الوقت والجهد فيما لا يبني مجتمعاً ولا يصنع مستقبلاً.

ويرى بيزمانوف أن نتائج هذه المرحلة لا تظهر بشكل مفاجئ، بل تتراكم ببطء عبر السنوات. وعندما يكتمل تأثيرها يصبح المجتمع أقل تمسكاً بقيمه، وأكثر عرضة للانقسام وفقدان البوصلة الفكرية والأخلاقية، لتبدأ بعدها مرحلة زعزعة الاستقرار، ثم الأزمات، ثم التكيف مع واقع جديد لم يكن المجتمع ليتقبله في السابق.

وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع تحليل بيزمانوف، فإن الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان هي أن قوة أي أمة لا تبدأ من اقتصادها أو سلاحها فقط، بل من قوة منظومتها القيمية، ومتانة أسرتها، واحترامها للعلم والتعليم، وتمسكها بالمبادئ التي تحفظ هويتها عبر الأجيال.


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author