بغداد/المسلة: في مشهد يتكرر يومياً على منصات التواصل، يطلق العراقيون موجة جديدة من الغضب الشعبي تتسع دائرتها مع كل إجراء حكومي جديد، وسط تساؤلات صارخة حول مصير المليارات التي تُجنى من جيوب المواطنين تحت بند “الرسوم والضرائب”، بينما تظل الخدمات العامة أسيرة التدهور والانهيار.
“دفعنا ضرائب الصحة والتعليم، ودفعنا جبايات الكهرباء، ودفعنا رسوم تسجيل المركبات والطرق، لكن أين نحن من كل هذا؟”..
بهذه العبارة التي تصدرت وسم #العراق_يدفع_أكثر على منصة “إكس”، لخص ناشط عراقي مشاعر الملايين الذين يرون أن دولتهم تحولت إلى آلة لجمع الأموال دون أي مقابل حقيقي.
وفي فيسبوك، تصدرت صور الحفر في الشوارع والأسلاك الكهربائية المتدلية واجهات الناشطين، مع تعليقات لاذعة تتهم الحكومة بـ”النهب المنظم تحت غطاء القانون”.
اللافت في التفاعل الشعبي هو تحول السخرية إلى أداة مقاومة، حيث روج ناشطون لهاشتاق “رواتبنا ترجع للدولة في نفس اليوم” في إشارة إلى كثرة الاستقطاعات الشهرية التي تبدأ بخصم 25 ألف دينار للصحة وتنتهي برسوم معاملات قد تصل إلى 100 ألف دينار، ليخرج راتب الموظف من حسابه ويعود لخزينة الدولة وكأنه لم يكن. وفي تطور يعكس عمق الأزمة، انتشرت مقاطع فيديو لمتطوعين وهم يسدون الحفر في الطرق بعد أن عجزت الدولة عن صيانتها، في مشهد وصمه مراقبون بـ”الفضيحة الأكبر” للجهاز الحكومي.
لكن السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يتردد في المجالس النيابية وعبر تصريحات المسؤولين: هل تتعمد الحكومة تحميل المواطن فاتورة العجز المالي الناجم عن سوء الإدارة والهدر؟ ففي الوقت الذي تطالب فيه مؤسسات مالية دولية بزيادة الإيرادات غير النفطية، يبدو أن الحل الحكومي ينحصر في الضغط على جيوب المواطنين بدلاً من محاربة الفساد وتوسيع قاعدة الإنتاج. وبينما تصل فاتورة كهرباء بعض المنازل إلى 200 ألف دينار مقابل تجهيز لا يتجاوز 5 ساعات يومياً، تظل رسوم تسجيل المركبات ترتفع والطرق تغرق في الحفر، لتتسع الهوة بين ما يدفعه العراقي وما يحصل عليه، في معادلة تبدو وكأنها تهدف إلى إشعار المواطن بأنه المدين الأول لدولته التي تتعامل معه كمجرد وعاء لجمع الإيرادات، لا كشريك في بناء الوطن.
ويبقى المشهد الأكثر دراماتيكية في قطاع التعليم، حيث تتحول الجامعات الحكومية إلى مؤسسات رسومية تبتكر مسميات جديدة لسحب الأموال، وتلزم الطلبة بتطبيقات مدفوعة الثمن للحصول على نتائجهم، ما دفع الكثيرين إلى البحث عن نتائجهم عبر العلاقات الشخصية، في سخرية مرة من نظام إلكتروني يفترض أن يكون في خدمة الطالب لا في جيبه.
وفي خضم هذا الاحتقان، يطرح مراقبون تساؤلاً محورياً: هل يدرك صناع القرار أن استمرار هذه السياسة بهذا الشكل قد يحول الغضب الشعبي الصامت إلى حراك مطلبي واسع لا يقتصر على الشاشات، بل قد ينتقل إلى الشوارع؟ أم أن هناك رهاناً على أن المواطن العراقي، الذي اعتاد على دفع ثمن أخطاء الحكومات المتعاقبة، سيبقى صامداً إلى أن تنهار الخدمات تماماً وتصبح الرسوم عبثية بلا حدود؟.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
شفرة زيارة الزيدي لواشنطن: هل يقود العراق التفكيك التدريجي للاقتصاديات الجهوية؟
الحوثيون يعلنون حظر الملاحة البحرية على السعودية
الزيدي يحمل “رسائل واشنطن” إلى طهران وسط اختبار إقليمي معقد