بغداد/المسلة:
مازن صاحب
لم يكن لقاء البيت الأبيض نهاية رحلة السيد رئيس مجلس الوزراء إلى واشنطن، بقدر ما كان نهاية الاختبار الأول وبداية اختبارات أكثر تعقيدا.
فالصور التذكارية، ولغة الجسد، والمصافحات، لا تصنع وحدها نجاح الزيارات، إنما يبدأ الاختبار الحقيقي عند العودة إلى بغداد، حيث تتحول الوعود إلى التزامات، والاتفاقات إلى استحقاقات، والشعارات إلى قرارات. ومن هنا، يمكن قراءة ما جرى في البيت الأبيض بوصفه بداية مرحلة، لا خاتمة زيارة. لكن النقطة الفاصلة، من وجهة نظري المتواضعة، تمثلت في إجابة الزيدي عن سؤال ترامب بشأن رأيه بما قام به من اغتيال الجنرال سليماني وشخص عراقي آخر لم يذكره بالاسم. فجاء الرد هادئا ومقتضبا، بأنه لا يريد الحديث عن الماضي، ويفضل مناقشة المستقبل.
يضاف إلى ذلك نماذج المصافحة بكلتا اليدين، ووضع اليد على الكتف خلال الاستقبال والتوديع، ناهيك عن تلك الابتسامة التي لم تفارق الزيدي، مقابل وجه ترامب المتعدد الألوان والمعاني.
ما بين هذا وذاك، يبدو من الممكن القول:
أولا: اجتاز الزيدي اختبار مواجهة ترامب أمام الصحفيين، من دون أن يسجل عليه الرئيس الأمريكي أي ضربة جزاء، كما عُرف عنه في مثل هذه المواقف.
وإذا كان ذلك يحسب للزيدي، فإن الوجه الآخر للمشهد يكشف، في الوقت نفسه، أن ترامب لم يكن راغبا في التشدد معه، ولا في تحويل اللقاء إلى ساحة استعراض شخصي، بدليل تجاوزه التعليق على إجابة السؤال المتعلق باغتيال الجنرال سليماني. ولعل ذلك كان أقرب إلى حسابات اللحظة السياسية، منه إلى اقتناع بأن الإجابة كانت كافية لإرضاء غروره المعروف أو إشباع رغبته في إحراج من يقف أمامه.
ثانيا: حول الموضوع ذاته، تابعت بعض ردود الأفعال في مواقع التواصل الاجتماعي، من ذلك النوع الذي يحمل الزيدي كلفة عدم الغضب أو عدم الأخذ بالثأر من ترامب في الرد على السؤال نفسه.
مثل هذه التعليقات الفجة، التي تبدو في بعض الأحيان وقاحة غير مسبوقة في التعامل مع شخص رئيس مجلس الوزراء العراقي، تعيد إلى الأذهان حادثة السير على صورة السيد الكاظمي عندما كان رئيسا لمجلس الوزراء، على يد بعض الأفراد الذين قيل إنهم من منتسبي الحشد الشعبي. لذلك، بات من الأهمية بمكان ألا يتحول صخب العواطف وفوضى الأداء إلى سلوك سياسي يعيد إنتاج مثل هذه التصرفات غير المحمودة، لأنها لا تسيء إلى صورة الدولة فحسب، بل قد تترك آثارا سلبية في تقديرات الجانب الأمريكي بشأن قدرة حكومة الزيدي على الوفاء بتعهداتها، وفي مقدمتها حصر السلاح بيد الدولة مع اقتراب نهاية أيلول المقبل.
ثالثا: ما زالت تتكرر في النقاشات العراقية تلك المعادلة المستحيلة؛ وضع قدم داخل الخندق الإيراني، ومد اليد إلى الولايات المتحدة الأمريكية طلبا للنجدة في إخراج العراق من مستنقع أزماته الاقتصادية. إنها الازدواجية التي رافقت النظام السياسي طوال السنوات الماضية، وانتهت بالعراق إلى ما هو عليه اليوم من مفاسد المحاصصة وأمراء الإقطاع السياسي الجديد.
لهذا، فإن أي قراءة لنتائج زيارة واشنطن ينبغي ألا تنفصل عن السؤال الأهم: هل يستطيع العراق أن يغادر عمليا حاكمية ولاية الفقيه الإيرانية على قراره السياسي، أم أنه سيبقى أسير معادلة الإمساك بالعصا من الوسط؟
ذلك أن كل ما يمكن الاتفاق عليه في واشنطن لن تكون له قيمة عملية إذا عاد ليصطدم بجدار الإرادات المتناقضة داخل بغداد. فمن دون بوصلة تتجه إلى مستقبل عراق واحد، وطن الجميع، وشعاره العراق أولا، لن تكون لكل الاتفاقات فرضيات واقعية لاستيعاب استحقاقات ما بعدها. وهنا تحديدا يكمن كعب أخيل حكومة الزيدي، كما تكمن أيضا عقدة المشروع الإيراني في العراق ولبنان واليمن، بما ينعكس لاحقا على طبيعة المواقف الأمريكية.
لقد نجح السيد رئيس مجلس الوزراء العراقي في اجتياز الاختبار الأول، وتجاوز، إلى حد بعيد، صورة “المدير العام” التي حاول البعض حصره فيها داخل معادلات الإطار التنسيقي، مقتربا من صورة رئيس مجلس الوزراء لكل العراق.
غير أن الاختبار الحقيقي لا يبدأ في البيت الأبيض، وإنما في بغداد؛ فهناك لا تحسم الابتسامات مسار الدول، ولا تصنع المصافحات مستقبل الشعوب، بل تحسمه القدرة على تحويل التعهدات إلى أفعال، والدولة إلى مرجعية واحدة فوق الجميع.
يبقى من القول… لله في خلقه شؤون!!
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
توسع غير مسبوق في صلاحيات النزاهة يعيد رسم مشهد المحاسبة في العراق
بهاء الأعرجي يحذر: استهداف أربيل رسالة سياسية مرفوضة في توقيت خطير لا يخدم أحدا
رصد التواصل: متظاهرو الكهرباء يفجرون هدوء الجنوب: هل تشتري استثمارات ‘شيفرون’ و’جنرال إلكتريك’ صمت الشارع الغاضب؟