بغداد/المسلة:
حسن الحيدري
في السنوات الاخيرة برز نمط من الكتابة السياسية والاعلامية يقوم على مخاطبة جمهور محدد سلفا فهناك من يكتبللشيعة حصرا ويعتمد خطابا يعزز الشعور الطائفي ويستدعي المظلومية او المخاوف او الهويات الفرعية وفيالمقابل هناك من يبني حضوره على خطاب قومي او طائفي مضاد يقوم في جزء كبير منه على العداء لايران اواستحضار صراعات الماضي والانقسامات المذهبية.
اللافت ان كلا النموذجين يحقق ارقاما كبيرة من التفاعل الاف الاعجابات والمشاركات والتعليقات تتدفق على هذاالنوع من المحتوى في مواقع التواصل لكن السؤال الاهم ليس كم شخص يتفاعل بل ماذا كانت النتيجة.
في كثير من الاحيان تساوي صفرا على مستوى بناء المجتمع والدولة فالشيعي الذي يستهلك خطابا طائفيا بشكليومي يزداد انغلاقا على هويته الفرعية ويصبح اكثر استعدادا للنظر الى الاخرين بعين الشك والخصومة وفي الجهةالمقابلة يزداد السني او البعثي او القومي تشددا كلما استهلك محتوى يقوم على التعبئة المضادة وهكذا تتحولالساحة العامة الى مجموعة من الجزر المنعزلة التي تتبادل الاتهامات ولا تنتج حلولا.
المشكلة ان النجاح الرقمي يُفهم احيانا على انه نجاح فكري فحين يحصد منشور عشرات الآلاف من التفاعلات يظنصاحبه انه احدث اثرا عميقا لكن الحقيقة ان التفاعل ليس بالضرورة دليلا على الاقناع او التغيير الايجابي فالمحتوىالذي يخاطب الغرائز والهويات الاولية قادر دائما على جذب الانتباه اكثر من المحتوى العقلاني والمتزن.
ولهذا نرى ان الخطاب الطائفي والقومي المتشدد يعيد انتاج نفسه باستمرار فهو يمنح الجمهور شعورا بالانتماءوالتفوق الاخلاقي ويقدم له عدوا واضحا يحمله مسؤولية كل الازمات هذه وصفة مثالية لتحقيق الانتشار لكنها وصفةفاشلة في بناء الوعي
في المقابل هناك طريق اصعب واقل صخبا طريق يقوم على العقلانية وعلى نقد الاخطاء مهما كان مصدرها وعلىرفض الانحياز المسبق للطائفة او القومية او الحزب هذا النوع من الكتابة قد لا يحقق الارقام نفسها وقد يبدو ابطافي الانتشار لكنه اكثر قدرة على احداث تأثير طويل المدى.
فالناس مع الوقت تميز بين من يبحث عن الحقيقة ومن يبحث عن التصفيق وقد لا يقتنع القارئ المحمل بالافكارالمسبقة من اول مقال او منشور لكنه يبداتدريجيا بالثقة بالكاتب الذي لا يغير معاييره بحسب هوية الفاعل ولايستخدم المكيالين ولا يستثمر في الانقسامات من اجل الشهرة.
ان المجتمعات المنقسمة لا تحتاج الى مزيد من المحرضين بقدر حاجتها الى اصوات واقلام قادرة على بناء الجسورفالشعبوية الطائفية قد تحقق انتشارا سريعا لكنها تترك وراءها مجتمعا اكثر تشظيا اما الخطاب العقلاني فقد يحققانتشارا اقل لكنه يراكم الثقة ويؤسس لوعي اكثر نضجا.
في النهاية ليست قيمة الكاتب بعدد المتفاعلين معه بل بنوعية الاثر الذي يتركه فالتفاعل السهل يمكن شراؤه عبراثارة العصبيات اما الثقة فهي تبنى بصعوبة وتبقى اطول من اي موجة شعبوية عابرة.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
مؤسسة النفط الهندية تلغي التحميل من العراق بسبب المخاطر
الزيدي وتحديات سوق العمل
طهران تستحضر الحرب العراقية الإيرانية وتعتبرها الدليل على إسقاط أي إنزال أمريكي