المسلة

المسلة الحدث كما حدث

أموال الظل بين الحقيقة والوهم

أموال الظل بين الحقيقة والوهم

25 يوليوز، 2026

بغداد/المسلة:

حسن آل سلطان

على مدى أكثر من عقدين تحولت الخزينة العراقية إلى أحد أكبر مسارح تدفق الأموال في تاريخ المنطقة الحديثفمنذ تغيير النظام السياسي في عام 2003 وحتى عام 2026 دخلت إلى خزينة الدولة أرقام فلكية تراوحت تقديراتهاالكلية بين ترليون إلى أكثر من تريليونَي دولار أمريكي تقريباً جراء الطفرات النفطية المتلاحقة وارتفاع أسعار الخامعالمياً ورغم هذه المليارات المتدفقة التي تكفي لبناء دول من جديد يعاني الاقتصاد العراقي من عجز بنيويوهشاشة حادة في البنى التحتية والخدمات الأساسية وسط تساؤلات أزلية تؤرق الشارع

أين ذهبت هذه الأموال؟

وكيف تدار ماكينة الهدر المالي الممتدة بين شريقي الموازنة:

١.التشغيلي

٢.الاستثماري

نحاول بصورة  مبسطة تشريح البنية المالية للموازنات العراقية كاشفاً بالوقائع والأمثلة الحية التقريبية من الواقععن خريطة الفساد وأساليب استنزاف المال العام.

أولاً: تشريح الموازنة جسر مالي بلا ضفاف

تتألف الموازنة الاتحادية السنوية في العراق من شقين رئيسيين تحددان مسار الإنفاق العام للدولة:

١.النفقات التشغيلية (الجارية): وتستحوذ على الحصة الأسد بنسب تتراوح بين 67% إلى 75% من إجمالي الإنفاقالعام وتذهب غالباً لتمويل الرواتب الأجور التقاعد الرعاية الاجتماعية والمستلزمات الحاكمة لتسيير دوائر الدولة.

٢.النفقات الاستثمارية: وهي المخصصة لمشاريع البنى التحتية التنمية المستدامة الطرق الجسور وتطوير قطاعاتالطاقة والكهرباء وتتراوح ورقيّاً بين 25% إلى 33%.

إلا أن هذا التقسيم النظري الهادئ يخفي خلفه واقعاً معقداً من إعادة توجيه الأموال والتحاصص حيث تتحولالموازنة بفعل الضغوط السياسية والزبائنية إلى أداة لضمان الولاءات الانتخابية بدلاً من أن تكون خطة تنمويةاستراتيجية.

ثانياً: النفقات الاستثمارية مسرح “السرقات الكبرى” والعقود الوهمية

إذا كانت الموازنة الاستثمارية هي الباب الملكي لإعمار المدن وتطوير الاقتصاد فإنها في الواقع العملي مثلت “البيئةالأكثر خصوبة” لعمليات النهب المنظم والعمولات المليونية الكبرى (الكومشنات).

١. مقاولات الوهم وتدوير المشاريع (أمثلة من الواقع)

تكشف التقارير الرقابية وديوان الرقابة المالية المتراكمة عن آلاف المشاريع في قطاعات الصحة والتعليم والبنىالتحتية التي سُجلت على الورق بمليارات الدولارات بينما لم تنفذ على الأرض سوى نسب ضئيلة لا تتجاوز الـ 10%.

مثال توضيحي: مشاريع المستشفيات السعة (100 و400 سرير) في عدد من المحافظات التي أُحيلت لشركاتوهمية أو غير مؤهلة حيث صُرفت الدفعات المقدمة التي تشكل عادة 10% إلى 20% من قيمة المشروع الكلية ثمتوقفت الأعمال تماماً ليُعاد إدراج المشروع في موازنة العام التالي تحت مسمى “تضمين كلف إضافية” أو “تغييرتصاميم” لتبتلع المشاريع مبالغ مضاعفة دون أن يرى المواطن أي مستشفى حقيقي على الأرض.

٢. هندسة التضخم التخميني وعمولات العقود

تتمثل الآلية الأكثر دقة للفساد الاستثماري في التلاعب بالكلف التخمينية قبل إحالة العقود فعندما يُطرح مشروعلإنشاء مدارس نموذجية أو تأهيل شبكات مجاري بقيمة حقيقية لا تتجاوز عدة ملايين يتم تقديره رسمياً بمضاعفةأرقامه. هذا الفارق الضخم لا يُصرف على جودة المواد بل يُعاد توزيعه عبر شبكات معقدة من الوسطاء والشركاتالواجهية ليشكل عمولات سياسية وحزبية تتراوح غالباً بين 15% إلى 30% من قيمة العقد الإجمالية تُدفع عبرحسابات خارجية أو بغسل الأموال.

ثالثاً: النفقات التشغيلية.

“النزيف اليومي” والرواتب الوهمية

في المقابل تمثل النفقات التشغيلية مصدراً للنزيف المستمر الذي لا يتوقف نظراً لاعتمادها على التوظيف الحكوميالواسع واستخدام الوظيفة العامة كأداة لاحتواء البطالة والضغط الاجتماعي.

١. جيوش الفضائيين والموظفين المزدوجين

شهدت السنوات الماضية كشف آلاف الأسماء الوهمية المعروفين بـ “الفضائيين” في مختلف الوزارات والأجهزةالأمنية والخدمية في السنوات الماضية وهم أشخاص وهميون أو متوفون أو مسافرون خارج البلاد تظل أسماؤهممسجلة في سجلات الدوائر وتُصرف رواتبهم الكاملة شهرياً لتصب في جيوب شبكات نفوذ حزبية وإدارية فاسدة وهوما يستهلك مليارات الدنانير سنوياً دون أي إنتاج حقيقي.

٢.. سرقة القرن والنافذة الضريبية

لم يقتصر الفساد التشغيلي على الرواتب، بل امتد إلى قطاعات الإيرادات غير النفطية الحاكمة كالضرائب والجمارك. وتُعد قضية “سرقة القرن” الشهيرة التي تم من خلالها نهب أكثر من 2.5 مليار دولار (3.7 تريليون دينار) من أموالالأمانات الضريبية عبر صكوك وهمية وتواطؤ شبكات واسعة من الموظفين والمصارف مثالاً صارخاً على كيفيةاختراق الحصون المالية والتشغيلية للدولة لنهب المال العام علانية.

رابعاً: الخلاصة الاقتصادية

أين تكمن الخسارة الأكبر

يخلص الخبراء الماليون إلى معادلة دقيقة في توصيف طبيعة الهدر العراقي:

الفساد الاستثماري: يوجه ضربات قاضية ومباشرة للبنية التحتية والمستقبل التنموي عبر تدمير فرص بناء اقتصادمتنوع ومستدام وخلق بيئة طاردة للاستثمار الحقيقي.

الفساد التشغيلي: يمثل استنزافاً يومياً يلتهم الإيرادات النفطية قبل وصولها إلى المواطن ويقيد قدرة الدولة علىتمويل المشاريع الحيوية عبر تورطها في تضخم وظيفي هائل.

بين تريليونات الدولارات المنفقة وعشرات المليارات المهدرة يظل الاقتصاد العراقي أسيراً لبيئة ريعية تفتقر إلىالشفافية الصارمة بانتظار إصلاحات هيكلية حقيقية تضع حداً لنزيف المال العام وتعيد توجيه البوصلة نحو التنميةالحقة وبناء مستقبل مستدام للأجيال القادمة.


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author