بغداد/المسلة:
محمود الهاشمي
يعد العراق أحد أكثر الدول العربية بعدد المنصات الإعلامية، وبات لديه أسطول من الإعلاميين والكتاب والمحللين السياسيين.
وفقًا لهذه الإحصائيات، من المفروض أن يكون لهذه المنصات الدور الكبير في التأثير على القرار السياسي بالبلد وعلى الشارع أيضًا.
التجربة السياسية بالعراق هوت إلى الأرض وسقط حملها، وفقدت معاني وجودها، وباتت مؤسسات الدولة سببًا في ضياع فرص النجاح، بل وسببًا في تفشي الفساد الإداري والمالي بالبلد.
مضى على التجربة السياسية بالعراق بعد عام 2003 أكثر من عقدين من الزمن، كان من المفروض أن تتطور التجربة أكثر، مستفيدة من التاريخ الجهادي للأحزاب الحاكمة أو من حماس الأحزاب التي تشكلت فيما بعد.
إنّ واحدة من أهم الأسباب التي أدت إلى انهيار العملية السياسية بالعراق هو “الإعلام”، حيث تحولت المنصات الإعلامية إلى منبر للدفاع عن “فشل” الأحزاب الحاكمة، أو منبر للنيل من العراق وتجربته الجديدة ومحاولة “التخريب” تضامنًا مع النظام البائد، أو تعبيرًا عن عقد طائفية وعن مانشيتات لفضائح وقعت أو لم تقع.
وتحول الإعلام إلى مجرد “لهو” للمواطن، وهو يرى نخبه وسياسييه يتبارون بالشتائم، كمن يشاهد فيلم “أكشن” أو معركة لـ”الديكة”.
إن أخطر ما في الإعلام عندما يقفز على الواقع السياسي والاقتصادي للبلد، ويذهب إلى “المتعة”، مثلما كان يفعل الشعراء في الفترة المظلمة وهم يصفون “مخدة النوم” أو يتحدثون عن “ألم الضرس”، فيما يعبث الاستعمار العثماني بمصير البلد ويغرق المجتمع بالظلام.
قناة الجزيرة لديها برنامج واحد لصراع “الديكة” اسمه “الاتجاه المعاكس”، مأخوذ عن برنامج إيطالي، حيث يحسن المقدم خلق “الفتنة” بين الضيوف. تابعه العرب والعراقيون منذ عام 2003، ومع تعاقب الأيام تحول إلى مصدر إزعاج وفوضى، وشاخ البرنامج وصاحبه، ولم يعد له من مشاهدات.
الإعلام العراقي، وخاصة عبر قنواتنا الإعلامية، بات يفقد مصادر قوته ويتحول إلى نسخة من برنامج “الاتجاه المعاكس”، وبات المجتمع العراقي لا يتحمل هذا الصخب والفوضى، فيما الأخطر أن يعتاده النشأ الجديد ويرى فيه نموذجًا كما في الإعلام سابقًا.
كانت منصات المقاومة هي الأكثر موضوعية في تناول الأحداث، حيث برامج “التعبئة” والعقيدة والسياسة والمواضيع الاجتماعية والدينية، أما الآن فقد انخرطت مع “الموضة” وضيعت الكثير من هويتها.
إن بلدنا يمر في مرحلة “خطيرة” بعد انهيار العملية السياسية والتدخلات الأمريكية، وصولًا إلى عجز الحكومة عن الإيفاء بدفع الرواتب لموظفي الدولة والمتقاعدين والرعاية، والشكوى من خلو الميزانية من المال.
ويقابل ذلك فقدان بوصلة إدارة الدولة والحيرة بين الإيفاء بضغوطات الأمريكان بسحب سلاح المقاومة وقوى الحشد، وبين متطلبات المرحلة وأهمية الحفاظ على السلاح كذخيرة للأمة، والحفاظ على سيادة البلد وكرامة شعبه.
ما عادت هناك برامج لإيجاد الحلول، وما عادت المنصات الإعلامية تستضيف أصحاب الرأي والمشورة، بل غلب عليها الصخب وترك الأمر بيد من يصنع ذلك.
لا بد من إعادة النظر باستراتيجيتنا الإعلامية وبالأهداف التي انطلقت من أجلها هذه الوسائل من الإعلام، والملايين من الدولارات التي تدفع دون أدنى فائدة تذكر.
هل فكرنا أن نجد حلًا لمشروعنا السياسي؟
هل فكرنا أن نستفيد من ثرواتنا الاقتصادية والبشرية وموقعنا الجغرافي؟
هل فكرنا كيف سيصبح حال الشعب حين يتم قطع الرواتب، وتأثيرها على الحياة الاقتصادية والاجتماعية ومصير الفقراء؟
وكيف نحاسب من كان وراء هذه الأزمة؟
هل فكرنا بإيجاد وسائل للقضاء على الفساد الإداري والمالي؟
هل فكرنا كيف نعالج البطالة بالبلد، وهذه التخمة من الموظفين بالدوائر الذين حشتهم الأحزاب بالوزارات دون عمل يذكر؟
هل فكرنا كيف نتخلص من الوصاية الأمريكية على أموالنا المودعة بالبنك الفيدرالي، ونحاسب من ورطنا بها؟
هل فكرنا بأزمة الجامعات التي تخرج طلابًا أميين بسبب سوء المتابعة؟
هل فكرنا كيف نستفيد من خبرات علمائنا ومفكرينا في تطوير بلدنا؟
هل فكرنا كيف نطور علاقاتنا الخارجية مع العالم؟
هل فكرنا أين سيكون موقع العراق في ظل التحولات الكبيرة التي تشهدها المنطقة والعالم؟
الإعلام منبرًا للعلم والمعرفة، وصناعة التطور، وليس حفلةً للتهريج.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
إيران بشأن اتفاق مكة: دول المنطقة أدركت أن أمنها لا يتحقق عبر واشنطن
النفط: مشروع المسارات التصديرية الجديدة عبر فيشخابور وبانياس سيوفر خيارات للتسويق
طقس العراق.. استمرار ارتفاع درجات الحرارة خلال الأسبوع الحالي