بغداد/المسلة: تتجاوز أهمية استقطاب الكفاءات الجماهيرية حدود الحضور السياسي أو توسيع قاعدة المؤيدين، لتصل إلى بناء شبكة اجتماعية وسياسية قادرة على تحويل الرؤية العامة إلى مشروع دولة. فالكفاءات التي تمتلك حضوراً مجتمعياً وخبرة مهنية يمكن أن تشكل جسراً بين المؤسسات والجمهور، وتمنح أي مشروع سياسي قدرة أكبر على قراءة المزاج الشعبي والاستجابة لحاجات الناس بعيداً عن الحسابات النخبوية الضيقة.
وفي هذا السياق، التقى رئيس ائتلاف الإعمار والتنمية، محمد شياع السوداني، بحضور رئيس المكتب السياسي الدكتور حيدر الفوادي، الجمعة، طيفاً من الكفاءات الجماهيرية في بغداد، في لقاء ركز على مسار العمل السياسي ومرتكزات بناء الدولة والرؤية الوطنية للإصلاح والتنمية.
اللقاء حمل دلالة سياسية تتجاوز عرض تجربة حكومية سابقة، إذ بدا أن السوداني يسعى إلى إعادة تنظيم الحضور السياسي لائتلافه عبر الانفتاح على شخصيات وكفاءات قادرة على التواصل مع المجتمع، في وقت تتحول فيه المنافسة السياسية العراقية تدريجياً من مجرد صراع على المواقع إلى محاولة امتلاك رواية مقنعة عن شكل الدولة المقبلة وأولوياتها.
السوداني استعرض مراحل العمل السابقة، موضحاً أن المرحلة الماضية فرضت عليه التفرغ للمسؤولية التنفيذية وإدارة الدولة وتقديم الخدمات، مع تقديم المصلحة العامة والعمل الحكومي على النشاط السياسي. وهذه الإشارة تبدو جزءاً من محاولة إعادة تعريف المرحلة السابقة باعتبارها فترة إنجاز حكومي، قبل الانتقال إلى مرحلة أكثر انخراطاً في العمل السياسي والتنظيمي.
وفي صلب النقاش حضرت ثوابت بناء دولة المؤسسات، وفي مقدمتها سيادة القانون وحصر السلاح بيد الدولة، واعتماد الحوار في معالجة الملفات الوطنية، إلى جانب تحسين الخدمات الأساسية وتوسيع نطاق التنمية لتلبية احتياجات المواطنين.
اقتصادياً، طرح اللقاء مسألة الإصلاح وتنويع مصادر الدخل القومي، مع التأكيد على توسيع منافذ تصدير النفط وتعزيز الاستقرار المالي في مواجهة التحديات. وهي ملفات تكتسب أهمية خاصة في اقتصاد ما زال شديد الاعتماد على الإيرادات النفطية، الأمر الذي يجعل أي حديث عن بناء دولة مستقرة مرتبطاً بقدرتها على تقليل هشاشتها المالية وتنويع مواردها.
أما الرسالة الأكثر وضوحاً فكانت موجهة إلى الشباب، إذ شدد السوداني على الإيمان بقدراتهم وتمكينهم من مواقع المسؤولية، مستشهداً بتجربة حكومته السابقة في إسناد مناصب سيادية إلى شخصيات شابة ذات خلفيات تكنوقراطية، ومن بينها وزارة الكهرباء.
سياسياً، يمكن قراءة اللقاء باعتباره محاولة لبناء قاعدة أكثر اتساعاً حول مشروع الإعمار والتنمية، لا تعتمد فقط على الأطر الحزبية التقليدية، وإنما تستند إلى الكفاءات المهنية والشخصيات ذات التأثير المجتمعي. وهذه المقاربة قد تمنح المشروع قدرة أكبر على مخاطبة شرائح تبحث عن التكنوقراط والإنجاز والخدمات، لكنها في الوقت نفسه تضعه أمام اختبار أصعب: تحويل العناوين الكبرى مثل سيادة القانون والإصلاح الاقتصادي وتمكين الشباب إلى نتائج ملموسة يمكن للجمهور قياسها.
وبينما تتكاثر العناوين السياسية في العراق، يبقى الرهان الحقيقي على قدرة القوى السياسية على إنتاج كفاءات لا تكتفي بالظهور في الاجتماعات، بل تمتلك أدوات التأثير والعمل والتنفيذ. ومن هنا، فإن استقطاب الكفاءات الجماهيرية قد يكون مقدمة لإعادة تشكيل المشهد السياسي، إذا نجح في تحويل الحضور الاجتماعي إلى مشروع سياسي واضح، وتحويل الخطاب عن الدولة والإصلاح إلى سياسات يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
تركيا تصدر مذكرة توقيف دولية بحق نتانياهو بشأن أسطول غزة
الحكومة العراقية تمد يد الحوار للفصائل.. وموعد 30 أيلول يحسم مصير السلاح
نتانياهو : إردوغان “ديكتاتور معاد للسامية”