المسلة

المسلة الحدث كما حدث

تدني احوال الاعلام العراقي بين تراجع الشاشة وصعود الهاتف

تدني احوال الاعلام العراقي بين تراجع الشاشة وصعود الهاتف

16 سبتمبر، 2026

بغداد/المسلة:

حسن الحيدري

حينما يتم انتقاد المؤسسة الاعلامية العراقية تتطاير ذرات الذهب الاعلامي الاصلي الذي صنعته اجيال من الصحفيين والمذيعين والمخرجين والمراسلين الذين منحوا الشاشة هيبتها ورسالتها المهنية لكن المشهد اليوم يبدو مختلفا فالشاشات التي كانت تستقطب العائلة وتفرض حضورها في البيوت لم تعد تحظى بالمكانة ذاتها ونسب المشاهدة تتراجع فيما تتسع مساحة المنافسة القادمة من منصات التواصل الاجتماعي
لقد جعلت السوشال ميديا من البث المجاني منافسا شديدا للشاشة التقليدية فالمشاهد يستطيع الوصول الى الاخبار والتحليلات والمقاطع المصورة والتقارير الوثائقية خلال ثوان ومن هاتفه الشخصي دون انتظار موعد برنامج او نشرة اخبارية ولم يعد محرك البحث مجرد وسيلة للوصول الى معلومة بل اصبح بوابة مفتوحة الى مختلف اشكال المحتوى
اتذكر ان احد اصدقائي تفاجا حين ابلغته انني ما زلت اشاهد موجزا للاخبار على الشاشة فسألني باستغراب هل يوجد احد يتابع شاشة في هذه الايام؟ كان سؤاله يعكس تحولا حقيقيا في عادات الجمهور فالهاتف لم يعد جهازا للاتصال فقط بل تحول الى شاشة شخصية ترافق الانسان في كل مكان وتقدم له ما يرغب فيه وقتما يريد.

وهنا تبرز خشية مشروعة من ان تتعرض الشاشات خلال الاعوام العشرة المقبلة الى مزيد من الضعف وربما تسير في الطريق الذي سلكته الصحف الورقية حين تراجعت مكانتها امام الاعلام الرقمي ولا يعني ذلك بالضرورة اندثار التلفزيون بالكامل لكنه قد يفقد موقعه التقليدي ويتحول الى وسيلة اقل تاثيرا ما لم يتمكن من تجديد ادواته ومضامينه وطرق تواصله مع الجمهور.

غير ان المشكلة لا تتعلق بالتكنولوجيا وحدها بل تمتد الى نوعية ما يقدم على الشاشة فحينما يصبح الظهور الاعلامي قائما على الحضور الشخصي او الترفيه السريع دون عمق مهني او اضافة معرفية فان الشاشة تفقد جزءا من هيبتها وتتحول من مؤسسة تصنع الوعي الى مساحة تتنافس فيها الوجوه على الحضور.

ومن هنا تبرز الحاجة الى اعادة النظر في طبيعة من يتصدرون البرامج الحوارية والنقاشية فليس كل من يمتلك القدرة على الظهور امام الكاميرا قادرا على تقديم نقاش مهني رصين كما ان الحضور الجماهيري وحده لا يكفي لصناعة محتوى يحترم عقل المشاهد.

ان الاستعانة بالمثقفين والمتمكنين من الحوار واصحاب المعرفة والخبرة في مختلف المجالات يمكن ان تمنح الشاشة قيمة مضافة فالمثقف الحقيقي لا يكتفي بعرض رأيه بل يمتلك القدرة على تحليل الفكرة وربطها بسياقها وطرح الاسئلة المهمة ومناقشة القضايا بوعي واتزان كما ان المتمكن من النقاش المهني يستطيع ان يختلف دون اساءة وان ينتقد دون تجريح وان يقدم للمشاهد فائدة تتجاوز حدود الجدل العابر ولا يعني ذلك ان تكون الشاشة حكرا على فئة محددة او ان يغيب عنها الترفيه والتجديد بل المطلوب هو تحقيق توازن يجعل المحتوى جذابا وذا قيمة في الوقت نفسه فالجمهور اليوم يمتلك خيارات واسعة ولن يعود الى الشاشة لمجرد وجود برنامج بل سيعود عندما يجد فيها ما يستحق المتابعة
لقد كان الاعلام العراقي يمتلك طاقات مهنية كبيرة واسماء تركت اثرا في الذاكرة العامة وكانت الشاشة مدرسة يتعلم منها الجمهور قبل ان تكون وسيلة للترفيه واليوم تبدو الحاجة ملحة الى اعادة الاعتبار لهذه المدرسة من خلال تطوير البرامج ورفع مستوى الاعداد واختيار الشخصيات القادرة على تقديم محتوى رصين ومؤثر.

المستقبل لن ينتظر المؤسسات الاعلامية التي تكتفي بتكرار نفسها فالجمهور تغير وذائقته تغيرت ووسائل وصوله الى المعلومة تغيرت ايضا ولذلك فان بقاء الشاشة لا يعتمد على عدد ساعات البث بقدر ما يعتمد على قدرتها على تقديم محتوى لا يجده المشاهد بسهولة في هاتفه محتوى يقوم على التحقيق والعمق والتحليل والموثوقية والتميز.

ان الاعلام العراقي لا يحتاج الى الدفاع عن كل ما يعرض على شاشاته بقدر ما يحتاج الى مراجعة جادة تعيد ترتيب الاولويات وتمنح المهنية مكانتها وتفتح المجال امام المثقفين واصحاب الخبرة والمتمكنين من النقاش المهني فاذا لم تتدارك المؤسسات هذا التحول فقد لا تختفي الشاشات تماما لكنها قد تصبح مجرد ظل لما كانت عليه بينما يصبح الهاتف هو المنبر الاول للجمهور.

وفي النهاية فان انتقاد المؤسسة الاعلامية ليس انتقاصا من الاعلاميين الحقيقيين بل هو محاولة لحماية ما تبقى من هيبة المهنة وصون الاعلام الاصلي من الضياع وسط ضجيج المحتوى السريع..


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author