بغداد/المسلة:
بهاء الدين الغزي
يلاحظ المتتبع للشأن السياسي احتداماً غير مكشوف للسطح بين أقطاب الإطار التنسيقي في العراق، وخصوصا ما بين ائتلاف دولة القانون وحركة عصائب أهل الحق، ولعل في موقف نوري المالكي الأخير من قضية استحقاق حركة (الصادقون) وتمثيلها في التشكيلة الحكومية بأبرز مفاصلها المتمثلة بنائب رئيس الوزراء وترشيح الدكتور ليث الخزعلي لذلك ما يكشف هذا الاحتدام السياسي، وهو يطلُّ برأسهِ بين الحين والآخر، إلَّا أنَّ محاولة كتمه والتقليل من فورته والتخفيف من حدَّتهِ لا تعدو كونها معالجات تهدئة مؤقتة تحاول السيطرة على الموقف حتى وإنْ كانت بيدٍ مصابة!
يرجع الموقف إلى العلاقة بين حزب الدعوة الإسلامي (كتلة دولة القانون) وبين حركة عصائب أهل الحق التي برزت إلى المشهد العراقي في عام 2011 بعد خروج الإحتلال الأمريكي رسميَّاً بوصفها حركة شبابية ناشئة تمشي بخطى واثقة، بقيادة الشيخ قيس الخزعلي الذي كان معتقلاً لدى القوات الأمريكية في العراق.
والدخول في العمل السياسي بعد تأسيس المكتب السياسي للحركة سنة 2012 ، وهذه اللحظة الفارقة في تأسيس الحركة ومحاولة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي استقطاب عناصر الحركة وتوظيفهم لصالحه لم تكن على قدر من الوضوح في ملامحها، بسبب ضبابية الموقف في تلك الفترة، خاصة وأنَّ الحركة في مرجعيَّتها الدينية والسِّياسية تتبنى موقف المقاومة بخلاف الموقف السياسي لحزب الدعوة الذي فضَّل تثبيت كوادره في مفاصل الدولة بدون ضجيج.
وبعد أنْ انتهت الدورة الثانية من حكم رئيس الوزراء المالكي بشكل دراماتيكي يفضح مستوى الكفاءة والحنكة في إدارة مفاصل الدولة وخصوصاً الأمنية منها، كانت حركة عصائب أهل الحق تتنقَّل لتثبيت قاعدتها السياسية والجماهيرية في المجتمع وتوسيعها، محفوفةً بخطوات الحركة لتوثيق مسارها في المجال السياسي مقروناً بالمجال العسكري الذي وطّدت أركانه في الميدان الحربي بدءاً من أطراف بغداد وجرف النصر وليس انتهاءً بالموصل والحدود مع سوريا، فهي تتحرّك في بخطّين متوازيَين انتهيا بنتيجةٍ واحدةٍ تمثَّلت بتوسُّع قاعدة الأتباع فضلاً عن استقطاب نوعي للكفاءات.
هذه السياسة والاشتراطات الواقعية جعلت حركة عصائب أهل الحق وحزب الدعوة يمشيان بخطين واتجاهين تتضَّح لمن يستقرئ الواقع صورتهما كاملة أمامه، فأخذ حزب الدعوة (ائتلاف دولة القانون) يتجه نحو الارستقراطية والترف وأصبح أعضاؤه من الطبقة (المخملية)، كبيرة السن، موصوفة بشيخوخة التجربة، ولم تعد تتجدد دماؤهم بالطاقات الشابة، في حين تتوجّه حركة عصائب أهل الحق توجُّهاً شبابياً حيويَّاً ذي طاقةٍ واضحةٍ برزت في توسُّع تمثيلها النيابي بشكل متدرج بدأ بشخص واحد (حسن سالم سنة 2014) ثم 15 مقعداً سنة 2018، وانتهى بتسعة وعشرين نائباً حالياً 2026، يقابله تراجع ملحوظ في تمثيل ائتلاف دولة القانون من 89 مقعداً سنة 2010 و92 مقعداً سنة 2014 إلى 25 مقعداً سنة 2018، وأصبح 33 مقعداً سنة 2021، وتراجع إلى 30 مقعدا سنة 2025 ، وهذان المؤشران المتعاكسان أصبحا جرس إنذار ومثيران للتحسُّس والتوجُّس السياسي لدى نوري المالكي الذي أرَّقهُ تقدُّمُ حركة (الصادقون) وتوسّع شعبيّتها ولذلك حاول الوقوف بوجهها ومنعها من الوصول إلى استحقاقها الحكومي في النيابة عن رئيس الوزراء والتقليل من حظوظها في التّمثيل السياسي .
وما زاد هذا الموقف حساسيةً التصوُّر الاستراتيجي الذي قدَّمهُ الأمين العام لحركة عصائب أهل الحق الشيخ قيس الخزعلي حين ذكر أنَّ الحكومة القادمة سنة 2029 ستكون ملامحها مرسومة بريشة الحركة، بل هي التي ستكون على رأس هرم السلطة التنفيذية، بعد أن مهَّد لهذه الخطوة بنزول الحركة بقائمة مستقلة في انتخابات 2025 السابقة.
ولذا فإنَّ النتيجة المُستقرأة مُستقبلياً، بعد التقدم الملحوظ بخطىً ثابتةٍ وتراجع أو تذبذب تمثيل الأطراف السياسية الأخرى في البرلمان، أنَّ عام 2029 سيشهد خطوةً جريئةً من حركة عصائب أهل الحق بتمثيلها البرلماني بكتلة (الصادقون) للصعود نحو رئاسة الوزراء بعد خطوة التحوُّل من العمل التَّنظيمي العسكري إلى العمل التنظيمي السياسي الذي تختلف أدواته في التعامل مع الواقع العملي والاجتماعي عن أدوات العمل العسكري، وهذا الحرص الواضح في التأكيد على هذا التوجه ينم عن فهم وقراءة واقعية لمجريات الأحداث في المشهد العراقي.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
من الكهرباء إلى النفط والشارع.. العراق أمام موجة أخبار بلا ترند وطني
البنتاغون يتحدث عن أجسام تحلق فوق الشرق الأوسط
ترامب يصدر توجيها بشأن العراق: لا تكرروا ما حدث في أفغانستان