المسلة

المسلة الحدث كما حدث

من موسكو إلى لندن.. قوى عراقية تشجع على الشراكات خارج الحدود

من موسكو إلى لندن.. قوى عراقية تشجع على الشراكات خارج الحدود

6 أكتوبر، 2026

بغداد/المسلة:   تبدو تحركات قوى سياسية عراقية باتجاه تعزيز العلاقات مع دول مؤثرة، مثل روسيا والمملكة المتحدة، جزءا من مسار يتجاوز المجاملات الدبلوماسية إلى محاولة توسيع هامش العراق الاقتصادي والسياسي، في وقت يبحث فيه البلد عن استثمارات وشراكات خارجية تساعده على تقليل الاعتماد على موارده النفطية وتحسين البنية التحتية والخدمات.

وفي هذا السياق، استقبل رئيس ائتلاف الإعمار والتنمية محمد شياع السوداني، سفير روسيا الاتحادية لدى العراق إلبروس كوتراشيف بمناسبة انتهاء مهامه في بغداد، في لقاء تناول العلاقات الثنائية والتعاون بين البلدين والتطورات الإقليمية والدولية.

وأشاد السوداني بجهود السفير الروسي في تطوير العلاقات العراقية الروسية، فيما أكد كوتراشيف حرص بلاده على مواصلة تطوير علاقاتها مع العراق في مختلف المجالات، معربا عن تقديره للتعاون الذي حظي به خلال فترة عمله في بغداد.

وفي تحرك مواز، بحث رئيس المكتب السياسي لائتلاف الإعمار والتنمية النائب حيدر الفوادي مع القنصل السياسي البريطاني بيث ولسن سبل توسيع التعاون بين العراق والمملكة المتحدة، مع التركيز على الطاقة والاقتصاد والبنى التحتية، وهي قطاعات تمثل في جوهرها اختبارا لقدرة العراق على تحويل علاقاته الخارجية إلى مشاريع وفرص اقتصادية ملموسة.

وتعكس هذه التحركات توجها متزايدا لدى قوى سياسية عراقية للتعامل مع العلاقات الدولية بوصفها أداة اقتصادية أيضا، وليس مجرد ملف دبلوماسي مرتبط بالمواقف الإقليمية والتحالفات السياسية. فالعراق يحتاج إلى فتح قنوات متعددة مع القوى الدولية الكبرى للحصول على التكنولوجيا والخبرة والتمويل والاستثمار، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى مشاريع طويلة الأمد في الطاقة والنقل والإسكان والمياه والصناعة والخدمات.

وتكتسب العلاقة مع موسكو خصوصية مختلفة عن العلاقة مع لندن، فروسيا تمثل لاعبا اقتصاديا وسياسيا وأمنيا فاعلا في المنطقة، ولها مصالح في قطاعات الطاقة والاستثمار والتجارة، بينما تمتلك المملكة المتحدة خبرات واسعة في قطاعات المال والطاقة والبنية التحتية والتعليم والتكنولوجيا والخدمات، فضلا عن شبكة اقتصادية يمكن أن تساعد العراق على الوصول إلى شراكات أوسع مع الأسواق الغربية.

لكن أهمية الانفتاح لا تتوقف عند عدد الاتفاقيات التي يمكن توقيعها، إذ إن جذب المستثمر الأجنبي يرتبط بصورة مباشرة بمستوى الاستقرار السياسي والقانوني، وقدرة المؤسسات العراقية على حماية العقود وتسهيل الإجراءات وتقليل البيروقراطية ومكافحة الفساد وضمان قدرة المستثمر على تحويل أرباحه وتشغيل مشاريعه في بيئة مستقرة.

ومن هنا، فإن الرسائل السياسية التي تبعث بها القوى العراقية إلى العواصم الدولية يمكن أن تتحول إلى قيمة اقتصادية إذا رافقتها سياسات حكومية واضحة. فالشركات الكبرى لا تبحث عن العلاقات السياسية وحدها، وإنما عن سوق قابلة للنمو، وقوانين مستقرة، وبنية مصرفية قادرة على التعامل مع الاستثمارات، وآليات شفافة لإحالة المشاريع وتسوية النزاعات.

ويملك العراق مقومات تجعل الانفتاح الخارجي أكثر أهمية من أي وقت مضى. فهو يمتلك سوقا كبيرة وموارد طبيعية وموقعا جغرافيا يربط الخليج ببلاد الشام وتركيا وإيران، فضلا عن حاجة هائلة إلى إعادة تأهيل قطاعات الكهرباء والنقل والمياه والإسكان والصناعة. وهذه العوامل يمكن أن تجعل العراق وجهة استثمارية مهمة إذا تمكن من الانتقال من اقتصاد يعتمد بصورة رئيسية على النفط إلى اقتصاد أكثر تنوعا.

كما أن توسيع العلاقات مع دول مختلفة يمنح بغداد مساحة أوسع للمناورة الاقتصادية. فالعراق الذي يتعامل مع أكثر من مركز دولي للنفوذ يستطيع نظريا الحصول على خيارات أكبر في التكنولوجيا والتمويل والطاقة والمشاريع الاستراتيجية، بدلا من ربط مصالحه الاقتصادية بمحور واحد أو جهة واحدة.

غير أن هذا الانفتاح يواجه تحديا أساسيا يتمثل في ضرورة الفصل بين المنافسة السياسية والمصلحة الاقتصادية. فالشراكات الدولية الناجحة تحتاج إلى أن تكون قائمة على مصالح العراق أولا، وأن تخضع المشاريع لمعايير الجدوى والكلفة والعائد ونقل التكنولوجيا وفرص العمل، لا لمعادلات النفوذ السياسي وحدها.

وتشير لقاءات السوداني مع الجانب الروسي، والفوادي مع الجانب البريطاني، إلى محاولة لتثبيت فكرة أن العراق يستطيع بناء علاقات متوازنة مع عواصم مختلفة، وأن الانفتاح على الخارج يمكن أن يكون وسيلة لدعم التنمية وليس مجرد شعار سياسي.

ويبقى الاختبار الحقيقي في قدرة القوى السياسية والحكومة العراقية على نقل هذا الحراك من غرف اللقاءات إلى مواقع المشاريع. فالعراق لا يحتاج فقط إلى مزيد من الأصدقاء السياسيين، بل إلى مستثمرين ومصانع وشبكات نقل ومشاريع طاقة وتكنولوجيا وفرص عمل. وعندما تصبح العلاقات الخارجية بوابة لهذه المصالح، فإن الانفتاح يتحول من خيار دبلوماسي إلى جزء من استراتيجية اقتصادية يمكن أن تؤثر مباشرة في حياة العراقيين.

 


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author