المسلة

المسلة الحدث كما حدث

المرض الهولندي!

المرض الهولندي!

6 يوليو، 2022

بغداد/المسلة:  كتب محمد زكي ابراهيـم …

ثمة شئ لا أكاد أفهمه، أو أجد له مبرراً، في ما يجري على الأرض الآن. مع أنه يستحق المراجعة والنقد، والأخذ والرد، وإعادة النظر في كل شاردة وواردة فيه .

هذا الشئ يتعلق بحاضر العراق، الذي يعيش الآن بشكل كامل على عائدات النفط. وليس لديه موارد أخرى سواها تقريباً. ولأن هذه العائدات تذهب إلى خزانة الدولة حصراً وليس إلى شركات خاصة أو أفراد بعينهم، فمن الطبيعي أن يتضخم القطاع العام، ويتضاعف عدد العاملين فيه.

ولأن جل هؤلاء العاملين غير منتجين، ولا يسهمون في زيادة الدخل، بل يلتهمون الجزء الأكبر من مبيعات النفط، وتضطر الدولة في حال انخفاض الأسعار إلى الاقتراض الخارجي، فإن الحل المنطقي أن يزج بهؤلاء في حقول إنتاجية تعيد ولو جزءً مما ينفق عليهم إلى الخزانة، ليصرف في مجالات خدمية أساسية.

إنني لا أفترض مثلاً أن إعادة تشغيل المصانع الكبرى المتوقفة منذ عام 1991 ستجعل منها مؤسسات تمويل ذاتي ناجحة، تتولى دفع أجور موظفيها، وتكاليف إنتاجها بالكامل، من فائض مبيعاتها. فمثل هذا الأمر يحتاج إلى جهود كبيرة، وبحوث، وسياسات اقتصادية ونقدية. وربما يستغرق الأمر سنوات طويلة. لكن بإمكان هذه المؤسسات تخفيف بعض العبء عن كاهل الدولة، وتأمين جزء كبير من النفقات عن طريق ضخ سلع معينة. ففي جميع الظروف تقوم وزارة المالية بصرف رواتب موظفيها وتقديم بعض الخدمات لهم، حتى مع توقف الإنتاج بشكل كامل، كما هي الحال الآن.

إن الدول المصدرة للنفط ذات الفائض النقدي الكبير تصاب في العادة بما يطلق عليه اسم المرض الهولندي. نسبة إلى ما حدث في هذه الدولة عام 1959 بعد اكتشاف حقول غنية بالغاز فيها. ويعني تفكيك الصناعات التحويلية والمزارع الخاصة وارتفاع تكاليف العيش، والأجور، وسعر العملة المحلية، بسبب دخولها منافسة غير متكافئة مع الدول الأخرى. والواقع أن مساهمة القطاع العام، ولو بجزء يسير من كلف الإنتاج (أو الدعم الحكومي) ليس بالأمر السيئ، فهو يعني تقليل الاستيراد، وتعزيز قدرات البلاد، وتحويل المبالغ الفائضة لإعمار البنية التحتية، أو دعم الخدمات، أو تحسين البيئة، وغير ذلك من الأمور.

لا يمكن للدولة أن تستمر في توظيف خريجي الجامعات، والعمالة الأخرى، دون إعادة الحياة للمصانع المتوقفة. أو المزارع الحكومية، أو شركات القطاع العام. وهذا هو سر ما يحدث الآن من بطالة واحتجاجات. فالمراهنة على تصدير سلعة متذبذبة الأسعار قابلة للنضوب، هي دونما شك، مراهنة خاسرة. ولن تؤدي إلا لزيادة المديونية وإغراق البلاد في مشاكل لن تجني منها سوى الفوضى والوهن والخراب.

المسلة – متابعة