بغداد/المسلة: يشهد المشهد التعليمي في العراق تحولاً نوعياً مع التوسع الملحوظ في فتح الكليات والأقسام الطبية والصحية، خصوصاً في الجامعات الأهلية التي تتهافت على استقطاب الطلاب عبر برامجها المتنوعة. لكن هذا الزخم الأكاديمي يطرح تساؤلات جوهرية حول جودة التعليم الطبي ومستقبل آلاف الخريجين الذين تغمر سوق العمل سنة بعد أخرى.
في جولة ميدانية على إحدى الجامعات الأهلية في بغداد، التقينا بعدد من الطلبة الذين أعربوا عن مخاوفهم من المستقبل الغامض.
يقول أحمد، طالب في السنة الرابعة بكلية الطب: “دخلنا هذه الكلية بحلم أن نكون أطباء، لكن مع كثرة الأعداد أصبحنا نشعر أن قيمتنا تتضاءل، فأين سنعمل بعد التخرج؟”. بينما تؤكد زميلته نور أن جودة التعليم تتراجع مع ازدحام القاعات وندرة المختبرات المجهزة.
المعطيات الرقمية تكشف حجم الظاهرة، حيث تشير تقديرات نيابية إلى أن أعداد خريجي المجموعات الطبية والصحية بلغت خلال العام الحالي وحده نحو 400 ألف خريج، إلى جانب دفعات سابقة لا تزال بانتظار فرص التعيين المركزي. هذا الرقم الضخم يضع وزارة الصحة أمام تحدٍ حقيقي في استيعاب هذه الكتلة البشرية المؤهلة.
وفي حديث لعضو لجنة الصحة والبيئة النيابية، النائب مقداد الخفاجي، أكد أن “الارتفاع الكبير في منح إجازات التأسيس للأقسام الطبية الأهلية أدى إلى تضخم في أعداد الخريجين بما يفوق حاجة المؤسسات الصحية”، مبيناً أن “هذا التراكم خلق ضغطاً كبيراً على وزارة الصحة وأثر على توزيع الدرجات الوظيفية”. ويضيف الخفاجي أن اللجنة تتابع عن كثب ملف جودة التعليم في هذه الكليات، مشيراً إلى وجود تقارير تشير إلى تباين في المستوى بين جامعة وأخرى.
خلفيات الموضوع تعود إلى سنوات مضت، حين شرعت الحكومة بسياسة تشجيع الاستثمار في التعليم العالي، ما أدى إلى طفرة في إنشاء الجامعات الأهلية. لكن هذا التوجه لم يقترن بدراسة متأنية لحاجة السوق الفعلية ولا بقدرة الدولة على استيعاب الخريجين، الأمر الذي خلق فجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات القطاع الصحي.
أحد أساتذة كلية الطب في جامعة حكومية يشير إلى أن “الطب مهنة لا تحتمل التهاون في جودة المخرجات، فالمريض هو الضحية الأولى لأي خلل تعليمي”. ويضيف أن بعض الكليات الأهلية تعاني نقصاً في الكوادر التدريسية المؤهلة والمختبرات والمعامل، مما ينعكس سلباً على كفاءة الخريجين.
من جهتها، تحاول وزارة الصحة معالجة الأزمة عبر خطة لإعادة توزيع الدرجات الوظيفية وزيادة أماكن الامتياز، لكنها تبقى جهوداً غير كافية أمام هذا الفيض البشري. بعض الخريجين يلجأون إلى العمل في القطاع الخاص أو السفر للخارج، فيما يظل آخرون في دائرة الانتظار الطويلة.
ويزداد الأمر تعقيداً مع تنامي ظاهرة البطالة المقنعة بين الأطباء والصيادلة، حيث يعمل بعضهم في وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم، فيما يضطر آخرون لفتح عيادات خاصة في مناطق مزدحمة بالمنافسين. الأرقام تشير إلى أن نسبة البطالة بين خريجي التخصصات الطبية والصحية ارتفعت بشكل ملحوظ خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وسط تحذيرات من تفاقم الأزمة في حال استمرار سياسة التوسع غير المحسوب.
ويطالب مراقبون بوضع ضوابط صارمة لمنح إجازات التأسيس للكليات الطبية الأهلية، وربطها بدراسة حاجة السوق وبمعايير جودة واضحة، إلى جانب تطوير خطط لاستيعاب الخريجين عبر توسيع مظلة التأمين الصحي وزيادة المراكز الصحية في المحافظات النائية. فالمشهد الصحي العراقي بحاجة إلى مخرجات نوعية لا كمية، وإلى رؤية استراتيجية تضع مصلحة المواطن والمريض في المقام الأول.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
جيوش الأكاذيب: الفضائح المزورة والاشاعات لتشويه صورة العراق وتصفية الحسابات
فضيلة مزيفة
دجلة تنزف.. مخلفات حكومية تحاصر النهر والسكان يستنجدون