بغداد/المسلة:
سُرى حسين
ليست المشكلة في الدين، بل في أولئك الذين يتخذونه ستارًا لإخفاء تناقضاتهم وأخطائهم. فكلما ارتفعت الشعارات الأخلاقية في بعض البيئات، ازداد السؤال إلحاحًا: أين أثر هذه القيم في السلوك اليومي؟
نرى أحيانًا أشخاصًا يملؤون الفضاء العام حديثًا عن الفضيلة والاستقامة، بينما تكشف ممارساتهم الخاصة عن وجه مختلف تمامًا. أحدهم لا يتردد في ارتكاب المحرمات، ثم يتصدر المناسبات الدينية ويحرص على الظهور بوصفه حارسًا للأخلاق. وآخر يشغل موقعًا أكاديميًا مرموقًا، فيتخذ من سلطته وسيلة لفرض أحكامه الشخصية على الطلبة، بينما يتجاهل أبسط معايير النزاهة والاحترام التي يفترض أن يتحلى بها.
وفي مؤسسات العمل، قد نصادف من يحرص على إظهار التزامه بالشعائر أمام الجميع، لكنه يتهاون في أداء واجباته الوظيفية، وكأن المظاهر تكفي لتعويض التقصير في حقوق الناس. فالقيمة الحقيقية لأي عبادة لا تُقاس بعدد من يشاهدها، بل بمدى انعكاسها على الأمانة والإخلاص واحترام الآخرين.
إن أخطر ما يفعله النفاق الأخلاقي أنه لا يسيء إلى صاحبه وحده، بل يسيء إلى القيم التي يدّعي تمثيلها. فعندما يرى الناس التناقض بين الخطاب والممارسة، يفقدون ثقتهم بالأشخاص وبالمؤسسات، وقد تمتد خيبة الأمل إلى المبادئ نفسها رغم براءتها من تلك السلوكيات.
المجتمعات لا تنهض بكثرة الوعظ وحده، ولا بارتفاع الأصوات التي تتحدث عن الفضيلة، بل بوجود نماذج صادقة تجعل القيم واقعًا معاشًا. فالأخلاق ليست لباسًا يُرتدى عند الحاجة، ولا شعارات تُرفع في المناسبات، وإنما التزام يومي يظهر في العدل قبل النصيحة، وفي النزاهة قبل الموعظة، وفي احترام حقوق الناس قبل الحديث عن حقوق السماء.
إن الفضيلة الحقيقية هادئة لا تحتاج إلى استعراض، وصاحب الخلق الصادق لا ينشغل بإقناع الآخرين بتقواه بقدر ما ينشغل بمحاسبة نفسه. أما الفضيلة المزيفة، فغالبًا ما تكون الأعلى صوتًا والأفقر مضمونًا، لأنها تعيش على الصورة لا على الحقيقة.
ولهذا فإن معيار الحكم على الإنسان يجب أن يكون أفعاله لا ادعاءاته، وسلوكه لا مظهره، وأثره في حياة الناس لا حجم الشعارات التي يرددها. فالقيم تُعرف بما تصنعه في الواقع، لا بما يُقال عنها على المنابر أو في المجالس.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
جيوش الأكاذيب: الفضائح المزورة والاشاعات لتشويه صورة العراق وتصفية الحسابات
أطباء بلا عيادات وصيادلة بلا صيدليات.. أزمة خريجي المجموعات الطبية تتفاقم
دجلة تنزف.. مخلفات حكومية تحاصر النهر والسكان يستنجدون