المسلة

المسلة الحدث كما حدث

دجلة تنزف.. مخلفات حكومية تحاصر النهر والسكان يستنجدون

دجلة تنزف.. مخلفات حكومية تحاصر النهر والسكان يستنجدون

26 يونيو، 2026

بغداد/المسلة: غضب يخيم على ضفاف نهر دجلة هذه الأيام. شكاوى متكررة تصل يومياً من سكان المناطق المحاذية للنهر، روائح كريهة تنبعث من المياه، وألوان غريبة تعكس واقعاً مؤلماً لم يعد يخفى على أحد. مؤسسات حكومية عراقية تصرّف مخلفاتها مباشرة في مياه النهر الذي يعتبر شريان الحياة الرئيسي للعاصمة وملايين العراقيين.

علي حسين، رجل في الستينات من عمره، يجلس على ضفة النهر القريبة من حيّه، ينظر إلى المياه بحزن ممزوج بالغضب. ذكرياته تعود إلى عقود خلت حين كان الماء صافياً والهواء نقياً. “اعتدت السباحة في نهر دجلة منذ طفولتي، وكان أجمل وقت لي هو فصل الصيف حين أقضي ساعات طويلة في مياهه البارد الصافي”، يقول برجاء في صوته.

لكن الأمر تغيّر تماماً خلال السنوات الأخيرة. “تركت السباحة في النهر قبل خمس سنوات، لأن المياه لم تعد كما كانت. أولاً الروائح الكريهة التي لا تطاق، وثانياً تلك الألوان الغريبة والرغوة التي تطفو على السطح. لا أريد أن أخاطر بصحتي أو صحة أحفادي”، يتابع بحنين ممزوج بخيبة أمل.

المخلفات التي تصب في النهر متنوعة وخطرة. تحتوي غالباً على مواد عضوية كاملة التحلل وأخرى لم تتحلل، بالإضافة إلى مواد كيميائية سامة تنتج من عمليات التصفية والمعالجة في المؤسسات الحكومية. أكياس بلاستيكية، معادن ثقيلة، بقايا صناعية، ومركبات لا تزال الدراسات جارية لتحديد تأثيراتها الكاملة على الصحة العامة والبيئة.

الروائح المنبعثة من بعض هذه المخلفات تؤثر بشكل مباشر على جودة حياة السكان. في ساعات الصباح الأولى وعند المساء، حين تكون الحركة الهوائية منخفضة، تنتشر رائحة كاسحة تشبه رائحة الفسوة والتعفن في أحياء بأكملها. الأطفال يشكون من الصداع، كبار السن يعانون من مشاكل تنفسية، والحيوانات الأليفة ترفض الاقتراب من ضفاف النهر.

قابلنا د. محمود الخفاجي، خبير البيئة والصحة العامة،. يقول بقلق مهني واضح: “التلوث البيئي في نهر دجلة أصبح مشكلة مستعصية تتفاقم بسرعة مخيفة.

المخلفات التي تصرف مباشرة دون معالجة تحتوي على تراكيز عالية جداً من الملوثات. هذا لا يؤثر فقط على النهر ذاته، بل على جودة المياه الجوفية والتربة وصحة السكان بشكل مباشر”.

من جانبها، تُقِرّ جهات حكومية بوجود مشكلة لكنها تلقي باللوم على الميزانيات المحدودة والبنية التحتية القديمة. مدير إحدى المؤسسات، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، قال في حديث غير رسمي: “نحن بحاجة إلى محطات معالجة متطورة تكلفتها مليارات الدنانير. الموارد المتاحة لا تكفي حتى للعمليات الأساسية. نعم، نعترف أن هناك مشكلة، لكن الحل ليس بيد المؤسسات وحدها”.

لكن هذا التبرير لا يروق لأم فتحية، التي تعيش مع أسرتها من عشرة أفراد بالقرب من النهر. تقول بحدة: “لا نريد أعذاراً، نريد مياهاً نظيفة. أطفالي عندهم حساسية جلدية وأمراض تنفسية لم تكن موجودة من قبل. قالت الطبيبة أن المياه الملوثة قد تكون السبب. هل هذا هو واجب الدولة تجاهنا؟”

الصور التي التقطت من قبل ناشطين بيئيين تظهر بوضوح حجم الكارثة. أنابيب كبيرة تصب مواد داكنة اللون مباشرة في النهر، رغوة بيضاء تغطي مساحات واسعة من السطح، أسماك نافقة تطفو على الماء. هذه الصور انتشرت على وسائل التواصل وأثارت غضباً شعبياً متزايداً.

منظمة بيئية حقوقية أصدرت تقريراً توثيقياً مفصلاً يؤكد أن التلوث في نهر دجلة لم يكن يوماً بهذه الخطورة. المياه التي يعتمد عليها ملايين العراقيين للشرب والري والاستخدامات اليومية أصبحت تشكل خطراً صحياً مباشراً. البكتيريا الضارة تتكاثر بسرعة في هذه البيئة الملوثة، والفيروسات المعوية تنتشر بشكل متزايد.

عم أحمد، وهو صياد قضى أربعين سنة في صيد الأسماك من نهر دجلة، قرر الاستسلام. مع حزقه يقول: “الأسماك اختفت أو أصبحت سامة. من يأكل السمك الآن؟ لا أحد. ذهبت حرفتي وذهب رزقي معها. هذا ما فعلته بنا المؤسسات الحكومية عندما لم تعتبر النهر شريان حياة بل مكاناً لتفريغ فضلاتها”.

المواطنون بدأوا يشعرون بأنهم مجموعة منسية. الشكاوى التي رفعت للجهات المختصة لم تلقَ آذاناً صاغية. بعض السكان حاولوا تنظيم مظاهرات احتجاجية لكن الاستجابة كانت ضعيفة. آخرون بدأوا يتجهون نحو آبار الماء الجوفية كخيار أخير، لكن حتى تلك لم تسلم من التلوث.

 


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author