بغداد/المسلة: في مشهد عراقي مرهق بالانقسامات، لم تعد ساحات المعارك السياسية تقتصر على قاعات البرلمان أو مكاتب الأحزاب، بل انتقلت وبقوة إلى الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تُشن حروب لا هوادة فيها من نوع جديد: حروب التسقيط الإعلامي وتصفية الحسابات الشخصية والسياسية.
فما أن يطل برلمان جديد أو حكومة جديدة، حتى ينهمر سيل من الأخبار المزورة والفيديوهات المفبركة، تحمل اتهامات بالفساد والخيانة والانحراف، وكأنها حملات منظمة لتدمير السمعة قبل أن تُبنى أي إنجازات.
يقول المواطن أبو أحمد في تدوينة: “والله كل يوم خبر جديد، اليوم فلان وزير سرق أموال، وغداً فلان نائب يخطط لتدمير البلد. ونحن البسطاء لا ندري من نصدق؟”.
هذا التساؤل الذي يطرحه أبو أحمد يعكس حالة التخبط التي يعيشها المواطن العراقي البسيط، الذي وجد نفسه غارقاً في فيض من المعلومات المضللة، تجعله يعيش حالة من الشك الدائم في كل ما يحدث حوله.
في جلسة أخرى، يروي الناشط المدني سامر جميل كيف أن “صفحات الفيسبوك أصبحت مليئة بالاخبار المزيفة التي يُروج لها مجهولون في حين ان الكثير من العراقيين لا يميزون بين الحقيقي والمفبرك”.
ويضيف مستغرباً: “الأغرب أن بعض الأخبار لا تستند حتى إلى أدنى منطق، لكنها تجد طريقها إلى قلوب وعقول الكثيرين”.
المشهد لا يقتصر على المواطن العادي، بل يتعداه إلى الشخصيات السياسية نفسها، التي أصبحت في مرمى نيران هذه الحملات.
لم يعد الأمر منافسة سياسية شريفة، بل أصبح أشبه بمعارك تصفية حسابات انتقامية، تنتهي بتدمير سمعة الخصم حتى لو كانت التهم واهية.
إن المتأمل في حجم الأكاذيب التي تتصدر المشهد الإعلامي العراقي يومياً، لا يمكنه إلا أن يتساءل عن الهدف الحقيقي لهذه الحرب الضروس.
باحث في الشأن الإعلامي يرى في حديث أن “الهدف الأول هو تشتيت الرأي العام وإلهائه عن المطالبة بحقوقه الأساسية، كالكهرباء والماء والخدمات. فبدلاً من أن يناقش الناس أداء الحكومة، تجدهم منهمكين في تبادل الاتهامات حول من أفسد ومن سرق”.
ويشير الباحث إلى أن “تفكك المجتمع العراقي وفقدان الثقة بالمؤسسات الديمقراطية والأحزاب هو الهدف الأعمق”، مضيفاً: “عندما يصدق المواطن أن كل السياسيين فاسدون، يصبح من السهل التلاعب به، ويصبح أي صوت معارض أو حكومي مشبوهاً، وهنا تتحقق معادلة ‘افسد واربح’، فالبلاد التي لا يثق أبناؤها ببعضهم تبقى رهينة الفوضى”.
وتتفاقم المشكلة بحسب مختصين في الشأن الاجتماعي، حيث أن نسباً كبيرة من المجتمع العراقي، خاصة في المناطق الريفية والضواحي البعيدة عن المراكز الحضرية، يمتلكون وعياً إعلامياً محدوداً، مما يجعلهم فريسة سهلة للتضليل.
في هذا السياق، يلفت الناشط الإعلامي رائد حسين إلى أن “سمعة العراق الدولية انهارت أمام الجمهور العربي والعالمي، الذي لم يعد يرى في العراق سوى سيل من الأخبار السلبية: فساد، تفجيرات، صراعات، وفضائح. ولا يكاد أحد يذكر أن العراق اليوم ينجز مشاريع عملاقة في قطاعات الطاقة والبنى التحتية، أو أن إنتاجه النفطي وصل إلى مستويات متقدمة، أو أن نسبة الجريمة المنظمة تراجعت في بعض المدن، كل هذا يختفي خلف وابل من الفضائح المختلقة”.
ويستطرد حسين: “ليس غريباً أن ترى جمهوراً عربياً في مواقع التواصل ينظر للعراقي باستعلاء أو شفقة، وكأن العراق لم يكن يوماً بلد الحضارات، وهذا بالضبط ما يريده مموِّلو الفوضى. الأموال الطائلة التي تُصرف على جيوش إلكترونية منظمة، سواء من جهات داخلية أو خارجية، ليست سوى استثمار في تدمير صورة الدولة وجعل العراقيين يتناسون أي إنجاز متحقق”.
بين هذا وذاك، يبقى السؤال الأهم: أين دور المؤسسات الرقابية؟ الناشط الحقوقي وضاح الجبوري يرى أن “هيئة الإعلام والاتصالات امام تحدي التصدي لهذه الموجة، في اتخاذ إجراءات حازمة ورادعة بحق مروجي الأكاذيب”.
ويشير الجبوري، في حوار جانبي، إلى أن “القضاء العراقي يمتلك الأدوات القانونية اللازمة، لكنه يحتاج إلى إرادة حقيقية لملاحقة هؤلاء المروجين الذين يهددون السلم المجتمعي. هناك نصوص قانونية تجرم نشر الأخبار الكاذبة والتشهير، لكنها تحتاج إلى تفعيل جاد، خصوصاً أن بعض هؤلاء المروجين هم شخصيات نافذة أو قريبة من السلطة، مما يعقّد المشهد”.
وقال: “أتمنى أن يكون هناك محاكمات علنية لمن يروجون هذه الأكاذيب، لأن ضررهم أكبر من ضرر السارق أو القاتل، فهم يسرقون أحلامنا ويقتلون ثقتنا ببعضنا”.
الناشطة المدنية ليلى حسن ترى في تدوينة، أن “الكذب حبله قصير جداً”، وتضيف: “رأينا بأم أعيننا حملات تسقيط ، ثم انكشفت تلك الحملات وتبين أنها مموّلة من حسابات وهمية، وهنا فقدوا مصداقيتهم ودفعوا ثمناً باهظاً”.
في النهاية، يبقى العراق أمام مفترق طرق؛ إما أن ينتصر للحقيقة ويضع حداً لهذا الفيضان من الأكاذيب التي تهدد نسيجه الاجتماعي، أو أن يغرق في مستنقع الفوضى الإعلامية التي تغذيها حروب التسقيط والحسابات السياسية الضيقة.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
أطباء بلا عيادات وصيادلة بلا صيدليات.. أزمة خريجي المجموعات الطبية تتفاقم
فضيلة مزيفة
دجلة تنزف.. مخلفات حكومية تحاصر النهر والسكان يستنجدون