بغداد/المسلة:
د.طالب الشوكة
بسم الله الرحمن الرحيم
مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا صدق الله العلي العظيم
في لحظة تاريخية فارقة، تحولت العاصمة الإيرانية طهران إلى ملتقى للأمة الإسلامية ومحور المقاومة، حيث لم تكن مراسم التشييع مجرد وداع لرمز تاريخي وقائد روحي، بل تجسيداً حياً لـ الهندسة الإعلامية والسياسية التي تتقنها الجمهورية الإسلامية لإيصال رسائل قوة وردع إلى العالم أجمع. من خلال التوظيف الدقيق للآيات القرآنية عند استقبال الوفود، وإشعال رمزية الرايات الحمراء، قدمت إيران للعالم بياناً سياسياً كُتب بدماء الشهادة وصيغ بوعي وإرادة لا تلين. لم يكن اختيار الآيات القرآنية التي تليت عند دخول الوفود الرسمية وفصائل المقاومة عفوياً، بل جاء ليعكس الرؤية الكونية للثورة الإسلامية، التي لا ترى الأحداث المعاصرة إلا امتداداً للصراع التاريخي بين الحق والباطل.
كانت النظرة الإيرانية واضحة في صياغة الرسالة, المشروع لا يموت بموت القائد. أرادت طهران إفهام الأصدقاء والأعداء على حد سواء، أن منظومة ولاية الفقيه هي مؤسسة إلهية قائمة على المبادئ لا الأشخاص. فالقائد الذي قضى نحبه يسلم الراية جيلًا بعد جيل لـ من ينتظر، مما يجهض أحلام الاستكبار العالمي في رؤية فراغ سياسي أو اهتزاز في بنية الدولة الإيرانية. كما أن تلاوة آيات النصر والتمكين كانت بمثابة تأكيد إعلامي للوفود بأن إيران، ورغم المصاب، تقف في موقع القوة والعزة، لا الانكسار. منظور طهران للمشهد الشعبي والبروتوكولي في التشييع يلخص ثلاث رسائل استراتيجية وجهت إلى عواصم القرار الغربي والإقليمي ,ترى القيادة الإيرانية في الطوفان البشري الذي ملأ الشوارع استفتاءً ديمقراطياً حقيقياً بالدموع والولاء، يثبت تلاحم الشعب مع قيادته، ويسقط كل نظريات الفجوة بين الشعب والنظام التي تروج لها الماكينات الغربية. استقبال قادة المقاومة من فلسطين، لبنان، العراق، اليمن، وسوريا ببروتوكول تكريمي خاص، كان رسالة إيرانية صريحة بأن طهران هي قلب المحور النابض، وأن هذه الروابط ليست تحالفات سياسية براغماتية بل هي عقيدة جهادية عابرة للحدود، تزداد رسوخاً وتنظيماً في الملمات عكست المراسم للعالم صورة الدولة المستقرة التي تدير أصعب أزماتها بسلاسة دستورية تامة، مما يوجه صفعة قوية للمراهنين على الفوضى. أما الحاضر الأبرز الذي خطف أبصار المراقبين الدوليين، فكان العلم الأحمر الذي رفرف فوق التجمعات والمآذن. في الأدبيات الثورية الإيرانية، يحمل هذا العلم دلالة عقائدية وعسكرية بالغة الخطورة..ستحضر الذاكرة الإيرانية في رفع الراية الحمراء تراث الطف وكربلاء؛ فهي راية “يا لثارات الحسين”. إعلامياً وسياسياً، يعني رفعها في التشييع إعلان “حالة التعبئة العامة” والجهوزية، وهي إشارة مباشرة بأن دماء القادة لن تذهب سدى، وأن الحزن قد تحول فعلياً إلى وقود لمعركة الردع القادمة. لم تكن الراية الحمراء مجرد تعبير عن المأتم، بل كانت “بياناً عسكرياً بلغة بصرية” يفهمها الخصوم جيداً. إنها تعني أن إيران لا تزال تضع يدها على الزناد، وأن خيارات الرد العقابي ضد أي اعتداء قائمة ومشروعة، ولا تراجع عنها. على حد فهمي القاصر تنظر طهران إلى مراسم التشييع باعتبارها ملحمة سياسية وعقائدية متكاملة الأدوات. لقد امتزج فيها النص القرآني بالرمزية الحسينية التاريخية، لتصنع إيران من أسبوع العزاء منصةً لإعادة تأكيد سيادتها، وتماسك جبهتها الداخلية، وجهوزية محورها، مرسخةً حقيقة واحدة: إن غاب جسد القائد، فإن النهج بات أقوى، والراية الحمراء لن تُنكس حتى تحقيق الوعد الإلهي.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
هل يكشف الإطار أسرار “صولة الفجر” أم يبقيها خلف الستار الحديدي؟
الزيدي إلى واشنطن منقوص الوزارة.. من يعرقل الكابينة: الفساد أم صراع الكتل على الغنائم؟
صدامات وعمليات نهب في كاليفورنيا خلال احتفالات عيد الاستقلال الأمريكي