بغداد/المسلة:
العراق بين الأزمة وخيارات النجاة: كيف يمكن تحويل التحديات إلى فرصة للإصلاح؟
محمود الهاشمي
يمر العراق بمرحلة دقيقة سياسياً واقتصادياً، في ظل مؤشرات تدعو إلى القلق بشأن قدرة الدولة على الاستمراربالنهج المالي والإداري الذي ساد خلال السنوات الماضية. وإذا صحت التقديرات التي تتحدث عن ضغوط مالية قدتؤثر في قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها، ولا سيما رواتب الموظفين والمتقاعدين، فإن البلاد ستكون أمام تحدٍاستثنائي قد تنعكس آثاره على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
لسنا في وارد تبادل الاتهامات أو تسجيل المواقف السياسية، بل إلى طرح سؤال يهم جميع العراقيين: كيف يمكنللدولة أن تتجاوز هذه الأزمة وتحولها إلى نقطة انطلاق نحو إصلاح حقيقي؟
لقد أظهرت التجربة السياسية التي أعقبت عام 2003 أن بناء الدولة واجه تحديات متراكمة، من أبرزها نظامالمحاصصة، وضعف المؤسسات، واستمرار الفساد الإداري والمالي، والاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية. ومع مرور الوقت، تراكمت هذه الاختلالات حتى أصبحت تمثل تحدياً مباشراً للاستقرار الاقتصادي ولقدرة الدولة علىالاستجابة للأزمات.
إن أي اضطراب في صرف الرواتب، لن يقتصر أثره على الموظفين والمتقاعدين، بل سيمتد إلى الأسواق والقطاعالمصرفي والاستثمار والعقارات، لأن جانباً كبيراً من النشاط الاقتصادي في العراق يعتمد بصورة مباشرة أو غيرمباشرة على الإنفاق الحكومي. ولهذا فإن الأزمة المالية، إذا لم تُحتوَ سريعاً، قد تتحول إلى أزمة اجتماعيةواقتصادية، وربما أمنية.
ويواجه الاقتصاد العراقي مشكلة هيكلية تتمثل في تضخم الإنفاق التشغيلي، ولا سيما الرواتب والتقاعد والرعايةالاجتماعية، مقابل محدودية الإيرادات غير النفطية. وهذا الواقع يؤكد أن الحلول المؤقتة لم تعد كافية، وأن الحاجةأصبحت ملحة لإصلاح اقتصادي شامل يعالج جذور المشكلة بدلاً من تأجيلها.
وعلى المستوى السياسي، أثبتت التجارب أن استقرار الدول لا يتحقق إلا بوجود مؤسسات قوية، وقضاء مستقل،وإدارة عامة كفوءة، وسياسات اقتصادية واضحة تستند إلى التخطيط لا إلى ردود الأفعال. كما أن تهميش الخبراتالوطنية وعدم الاستفادة الكافية من الجامعات ومراكز البحوث والخبراء حرم صانع القرار من أدوات مهمة في رسمالسياسات العامة وتقييم آثارها.
أما في السياسة الخارجية، فإن العراق بحاجة إلى ترسيخ نهج علمي يحافظ على مصالحه الوطنية، فالعلاقات معدول الجوار مهمة ،وخاصة مع ايران التي بنت تجربة متميزة في ادارة ازماتها السياسية والاقتصادية ولديها شركاتبخبرة كبيرة وتناسب اوضاع العراق وحاجته .اما الاستفادة من الشركاء الدوليين، فينبغي أن تقوم على أساسالمصالح المشتركة، والاحترام المتبادل، وصون السيادة الوطنية وليس شروط الاملاء والتدخل بالشأن الداخلي ..
غير أن تشخيص الأزمة، مهما كان دقيقاً، لا يكفي ما لم يقترن برؤية عملية للإصلاح. ومن هنا يمكن طرح عدد منالأولويات الوطنية التي تستحق أن تكون محوراً لأي برنامج حكومي أو توافق سياسي.
أولى هذه الأولويات تتمثل في حماية الاستقرار المالي من خلال ضمان تمويل الرواتب والالتزامات الأساسية، معمراجعة الإنفاق العام وترشيده، وتأجيل المشاريع غير ذات الأولوية عند الضرورة، بما يحافظ على التوازن الماليويحد من الضغوط على الموازنة.
وثانيها العمل الجاد على تنويع مصادر الدخل الوطني، عبر تطوير قطاعات الزراعة والصناعة والسياحة والخدمات،وتحسين إدارة الضرائب والرسوم والمنافذ الحدودية، بما يزيد الإيرادات غير النفطية ويقلل من الاعتماد المفرط علىأسعار النفط وتقلباتها.
أما الأولوية الثالثة فتتمثل في إطلاق إصلاح إداري ومؤسسي حقيقي يقوم على الكفاءة والشفافية، ويعزز استقلالالأجهزة الرقابية، ويوسع استخدام الحكومة الإلكترونية، ويحد من الهدر والفساد، لأن نجاح أي إصلاح اقتصادي يبقىمرتبطاً بكفاءة مؤسسات الدولة.
وفي الوقت نفسه، ينبغي توفير بيئة جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي، عبر تحديث التشريعات، وتبسيط الإجراءات،وتوفير الضمانات القانونية، بما يسهم في خلق فرص عمل حقيقية ويمنح القطاع الخاص دوراً أكبر في قيادة النموالاقتصادي.
كما أن الاستثمار في الإنسان العراقي يجب أن يكون جزءاً أساسياً من أي مشروع إصلاحي، من خلال تطوير التعليم،وربط مخرجاته باحتياجات سوق العمل، ودعم البحث العلمي، والاستفادة من الخبرات والكفاءات الوطنية فيالداخل والخارج.
إن إنقاذ العراق لا يمكن أن يكون مسؤولية حكومة أو حزب أو تيار سياسي بمفرده، بل هو مشروع وطني يتطلب تعاونالسلطات الدستورية والقوى السياسية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والنخب الأكاديمية، على أساس رؤيةمشتركة تضع المصلحة الوطنية فوق المصالح الفئوية والآنية.
ورغم حجم التحديات، فإن العراق يمتلك مقومات كبيرة للنهوض؛ فهو يملك ثروات طبيعية واسعة، وموقعاً جغرافياًمهماً، وطاقات بشرية وكفاءات علمية قادرة على الإسهام في بناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة. لكن هذه الإمكانات لنتتحول إلى إنجازات ملموسة ما لم تُدار وفق سياسات رشيدة، وإرادة سياسية حقيقية، ومؤسسات فاعلة.
إن المرحلة الراهنة قد تكون من أصعب المراحل التي يواجهها العراق منذ سنوات، لكنها قد تكون أيضاً فرصة لإعادةالنظر في مسار التنمية والإدارة العامة. فالأزمات، على قسوتها، كثيراً ما تكون نقطة البداية للإصلاح عندما تتوافرالشجاعة في اتخاذ القرار، والحكمة في إدارة الاختلاف، والإيمان بأن مستقبل العراق يستحق مشروعاً وطنياً جامعاًيعيد بناء الثقة بين الدولة والمواطن، ويؤسس لاقتصاد أكثر قوة، ومؤسسات أكثر كفاءة، ودولة أكثر استقراراً.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
الإعمار والتنمية تعلن عن مهلة حكومية لإرسال قانون الحشد إلى البرلمان
الوفد الأمني العراقي برئاسة مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة يصل إلى السعودية
زيدان لوزير العدل السوري: مستعدون لتقديم المساعدة في المجال القضائي