المسلة

المسلة الحدث كما حدث

التعادلية

التعادلية

13 أغسطس، 2022

بغداد/المسلة:

محمد زكي ابراهيـم 

تبدو الصورة في العراق الآن غريبة نوعا ما بعد أكثر من تسعة أشهر على الانتخابات النيابية. فلا رئيس ولا حكومة ولا موازنة ولا قرارات مصيرية، باستثناء حكومة تصريف أعمال تتجاوز سلطاتها في كثير من الأحيان. والسبب – كما يعرف الجميع – هو الانقسام الحاد الذي شطر البلاد إلى نصفين متماثلين.

وفي العادة تنقسم الشعوب على نفسها في اللحظات المصيرية إلى شقين، أحدهما كبير والآخر أصغر منه ولو بفارق بسيط. هذا الوضع يسهل مهمة تشكيل الحكومة، ويعزز الأمن، ويخلق الاستقرار، ولا يسمح بعرقلة النظام السياسي، أو العبث بمقدرات الناس.

وهكذا كان الوضع في العراق في السنوات التي سبقت عام 2018. كان هناك انقسام واضح، لكن الفارق بين المتنافسين كان ملحوظاً. وكانت هناك مشاكل أمنية، وعمليات عسكرية. لكن الحكومة استطاعت السيطرة عليها في نهاية المطاف. ولو كان هناك تعادل في الأصوات، أو المقاعد النيابية، مثلما هو عليه بعد عام 2018 لما تمكنت الحكومة من إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح.

إن ظاهرة “التعادلية” التي أسهب توفيق الحكيم في الكتابة عنها ذات يوم، لا تبدو مجدية في كثير من مجالات الحياة. فهي مثلاً أطالت أمد الحرب العراقية – الإيرانية في الثمانينات. كما أطالت سنوات النزاع الجاري في اليمن الآن. وألقت بظلالها على الحروب الأهلية فأمدت في عمرها زمناً طويلاً، مثلما حدث في لبنان قبل خمسة عقود، وغير ذلك كثير.

وقد وجد منظمو ألعاب الكرة حلاً للتعادل في المباريات الدولية أو النهائية، عبر ضربات الترجيح. وقد رضي بها الجميع رغم أنها لا تبدو منصفة في كثير من الأحيان. فليس هناك حل آخر سواها يضمن تفوق أحد المتباريين.

حينما تتعادل كفتا الصراع في بلد من البلدان تصبح الفرصة سانحة للمساومات والصفقات والتنازلات. ويضطر الطرفان لتأجيل ما عزما عليه من خطط ومشاريع. ويفقدان السيطرة على برنامجيهما الانتخابيين. فلا عجباً إذا ما أصيبت البلاد بالجمود، وإذا ما تعثرت خطط التنمية. ولا غرابة إذا ما تلكأت الخدمات. بل ولا بدع إذا ما اعترى البلاد الضعف. وساد التذمر صفوف المجتمع.

ربما تكون الأوضاع في العراق مختلفة نوعا ما هذه المرة، بسبب لجوء أحد الطرفين إلى استباحة المؤسسات العليا للدولة، ودفع جماهيره لتعطيل الحياة السياسية، وفرض إرادته على الغير. وهو أمر لا يمكن أن يحدث في ظل نظام يحتفظ بهامش لا بأس به من الديمقراطية. لكن مثل هذا الأمر لم يكن ليحدث لولا توازن الصدفة، الذي حدث بسبب عزوف الناس عن التصويت. ولو لم يحدث هذا لاختل التوازن، ومالت كفة أحد الطرفين، وسارت الأمور كالمعتاد. والعزوف عن التصويت هو بحد ذاته احتجاج على الفشل الحكومي المتكرر، والطويل.

سيكون على العراقيين في قابل الأيام أن يكسروا هذه التعادلية، ويحاولوا توسيع الهوة بين الفريقين. فكلما بعدت الشقة، وتعمق الخلاف، وتجذرت الخصومة، كلما عاش البلد في أمان، وقوة، وحيوية، واستقرار !

 


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.