المسلة

المسلة الحدث كما حدث

نظرة تحليلية على توظيف الولايات المتحدة للجماعات المتطرفة

نظرة تحليلية على توظيف الولايات المتحدة للجماعات المتطرفة

19 غشت، 2025

بغداد/المسلة: علي مارد الأسدي

منذ عقود، تنتهج الولايات المتحدة سياسة براغماتية تقوم على دعم فاعلين غير نظاميين في مناطق النزاع، متى ما اقتضت مصالحها الآنية ذلك. وعلى الرغم من تغير السياقات الجيوسياسية، إلا أن النمط ذاته يتكرر: تسليح وتوظيف جماعات راديكالية لمواجهة الخصوم، دون حساب حقيقي للتداعيات البعيدة المدى.

وتستوقفنا في هذا السياق بعض من التجارب الأمريكية التي تستحق التأمل:

أولًا: أفغانستان _ تنظيم القاعدة الإرهابي.
خلال الحرب الباردة، وفرت واشنطن دعمًا ماليًا وعسكريًا واسعًا لما يسمى ب”المجاهدين” في أفغانستان لمواجهة النفوذ السوفيتي، بتعاون كامل من الحكومة الباكستانية، وبدعم مالي ضخم من المملكة العربية السعودية. هذا التحالف الثلاثي ساهم في الترويج للإسلام الوهابي السعودي المتشدد في غالبية الدول الإسلامية، مما وفر البيئة الخصبة لتفريخ التنظيمات الجهادية الإسلاموية العابرة للحدود، والتي شكلت لاحقًا نواة التنظيمات الإرهابية ومنها تنظيم القاعدة. ورغم أن الهدف المباشر، أي انسحاب السوفييت، قد تحقق، فإن النتائج طويلة الأمد أرتدت على الرعاة متمثلة في أحداث 11 سبتمبر 2001، وما تلاها من حرب عالمية على الإرهاب.

ثانيًا: العراق _ صدام الوحش الذي خرج عن السيطرة.
في حرب الثماني سنوات بين العراق وإيران (1980–1988)، لعبت الولايات المتحدة دورًا غير مباشر في دعم نظام الدكتاتور صدام، عبر غض الطرف عن مصادر تمويله، وتسهيل حصوله على دعم خليجي واسع. الهدف آنذاك كان احتواء الثورة الإيرانية ومنع تصديرها إلى دول الخليج. لكن صدام، الذي خرج من الحرب منهكًا، سرعان ما انقلب على داعميه بغزوه للكويت في عام 1990، مطلقًا سلسلة من الكوارث الإقليمية انتهت باحتلال العراق عام 2003.

ثالثًا: الحالة الفلسطينية _ دعم حماس لتقويض فتح.
في سعيها لتفكيك المشروع الوطني الفلسطيني الذي تقوده منظمة التحرير (وتحديدًا حركة فتح)، ساهمت إسرائيل، القاعدة الأمريكية المتقدمة في الشرق الأوسط، في نشوء وصعود نجم حماس، وسهلت وصول الأموال القطرية إلى غزة، ضمن رؤية تهدف إلى إدامة وتغذية الانقسام الفلسطيني. غير أن عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023، قلبت السحر على الساحر وبينت أن الاستثمار في تفتيت الصف الفلسطيني قد تحول إلى تهديد خطير على أمن إسرائيل نفسها، والمصالح الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.

رابعًا: سوريا _ إعادة تدوير التطرف لمواجهة النفوذ الإيراني.
في السياق السوري، تكشف المعطيات الميدانية أن إدارة دونالد ترامب التي تحركها الدوافع الاقتصادية بالدرجة الأولى، تتجه برؤية نفعية قاصرة، إلى إعادة تدوير فصائل إرهابية كهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقًا)، بقيادة أبو محمد الجولاني، كجزء من مشروع تقويض النفوذ الإيراني في سوريا، بدعم وتنسيق معلن مع بعض دول الشرق الأوسط ذات الغالبية السنية، وبعض الدوائر الإسرائيلية، التي ترى في الفصائل السنية الجهادية حاجزًا طبيعيًا أمام التمدد الشيعي وفق النموذج الإيراني.
غير أن هذا التوجه يتجاهل، مرة أخرى، ديناميكيات التطرف الإسلاموي، التي لا يمكن التحكم بمآلاتها عند تحولها إلى قوى أمر واقع مسلحة، ذات مشروع أيديولوجي راديكالي.

إن السياسات الأميركية التي توظف قوى متطرفة لتحقيق أهداف مرحلية، تعاني من قصر نظر استراتيجي، وتؤدي عادة إلى نتائج عكسية تعيد في كل مرة إنتاج مشهد الإرهاب ذاته ولكن تحت مسميات جديدة.

 


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author