بغداد/المسلة: تمضي الأسواق العراقية في هبوط حاد نحو حالة من الكساد شبه الكلي، وسط انهيار غير مسبوق في حجم المبيعات وانكماش واضح في الدورة التجارية، ما بات يهدد النسيج الاقتصادي برمته ويثير قلق الأوساط الاستثمارية والمالية، في ظل غياب واضح لإجراءات طارئة تسهم في فرملة هذا التراجع.
وتكشف غرفة تجارة بغداد أن معظم القطاعات، وفي مقدمتها الإنشاء والعقار، تمر بشبه شلل كامل، ما أدى إلى تداعيات خطيرة طالت شركات التموين والنقل وحتى مكاتب الصيرفة التي أصيبت هي الأخرى بالركود نتيجة التذبذب الحاد في سعر صرف الدولار. ويعد تراجع الفارق بين السعر الرسمي والموازي سبباً إضافياً في إضعاف محفزات الإنفاق والسفر.
وتبدو الأزمة ذات بعد بنيوي أكثر مما هي ظرفية، إذ أن انكماش السوق لا يعود فقط إلى سعر الصرف، بل يرتبط بتدهور القوة الشرائية وتراجع الإنفاق العام، وهي مؤشرات تعكس أزمة ثقة متفاقمة في المناخ الاقتصادي برمته. ورغم أن التضخم لا يتجاوز 2.2% بحسب بيانات الربع الأول من 2025، فإن ذلك لم يمنع الأسواق من التباطؤ الحاد، خاصة في القطاعات غير الأساسية.
ويذهب مراقبون إلى أن الأزمة الحالية ترتبط بمنظومة أوسع من المشكلات المتراكمة، تبدأ من غياب السياسات الإنتاجية وتنتهي بضعف الأداء المؤسسي واستمرار هيمنة قوى غير اقتصادية على القرار المالي، وهو ما يشير إلى غياب الفعل الاقتصادي الحقيقي وافتقار الإدارة المالية إلى الحيوية المطلوبة.
ويؤكد اقتصاديون أن العراق، رغم امتلاكه لاحتياطيات مالية تفوق 97 مليار دولار، يواجه تحدياً حقيقياً في تحويل هذه الوفرة إلى قوة دفع للأسواق. فغياب التحفيز الاستثماري الداخلي، وغياب الموازنات التنموية ذات الرؤية الواضحة، وتأخر إقرار المشاريع الكبرى، كلها عناصر ساهمت في تكريس حالة الجمود.
ويبدو أن رهان الحكومة على أدوات كلاسيكية كالإنفاق العام والسياسة النقدية لم يعد كافياً. فالكساد الحالي ليس أزمة سيولة، بل أزمة ثقة وفعالية وإدارة.
ولا يمكن كسر هذا الجمود إلا بخطة إصلاح هيكلي واسعة، تبدأ من تحرير السوق تدريجياً، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وتعزيز دور القطاع الخاص النظامي في إدارة عجلة الاقتصاد.
وتتطلب المرحلة القادمة تجاوز الشعارات، والانخراط في إجراءات فعلية لمكافحة الفساد، وإعادة رسم العلاقة بين المؤسسات النقدية والحكومة على أسس مهنية، بما يضمن استقرار السوق وتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة لا تظل مرهونة بتذبذب أسعار النفط أو تقلبات الدولار.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
بهاء الأعرجي: رسالة أمريكية تحذر من عقوبات وباراك زار بغداد مبعوثا لترامب
النائب كاظم الشمري: حين اختارك أوباما بدل علاوي.. ألم يكن ذلك إملاءات.. وتسعون بالمائة من الإطار تراجع عنك
هل تنجح حكومة العراق في ديمومة التوازن على حبل التوترات الإقليمية؟