بغداد/المسلة: اندثرت المياه تدريجياً من أحضان الأهوار الجنوبية في العراق، وتشقق وجه الأرض حتى بدا كخريطة متصدعة تحت شمس قاسية، فيما تناثرت قشور الأسماك الميتة على ضفاف القنوات اليابسة، كأنها بقايا رسالة من زمن الوفرة.
وقال صياد مسن من قرية الفهود إن “الماء الذي كان يصل إلى منتصف باب بيتي، أصبح اليوم على بُعد كيلومترات، وصار الوصول إليه مشياً رحلة عذاب”.
وانكمشت مساحة الأهوار إلى أقل من عُشر حجمها التاريخي، بعد أن كانت تمتد على ما بين 15 و20 ألف كيلومتر مربع، ولم يتبق منها سوى جيوب مائية متناثرة تكافح للبقاء.
وأكد أحد المزارعين أن الجاموس المائي بدأ يموت واقفاً من الجوع والمرض، بعدما جفت المراعي المغمورة وتلوثت البرك بما تبقى من مياه مالحة وساخنة.
وارتفعت نسبة الملوحة والملوثات في الجيوب المائية المتبقية إلى مستويات أحرقت أعشاب القاع وأبعدت الأسماك، مما أدى إلى فقدان آلاف العائلات مصدر رزقها القائم على الصيد وجمع القصب.
وأوضح شاب من أبناء المنطقة أن “شباكنا عادت فارغة لأسابيع متواصلة، حتى الطيور المهاجرة لم تعد تجد مكاناً تحط فيه”.
وأضعف تغيّر المناخ مواسم الفيضان التي كانت تنعش الحياة هنا، فيما أسهمت مشاريع السدود خارج الحدود في حجب كميات كبيرة من المياه. وكشف أحد المهندسين العاملين في إدارة الموارد المائية أن العراق فقد أكثر من 60% من مخزونه المائي خلال عام واحد، متراجعاً من 18 إلى نحو 10 مليارات متر مكعب، وهو انخفاض وصفه بـ”الجرس الأخير قبل الجفاف الكامل”.
واستندت توقعات مختصين بيئيين إلى أن تدفقات دجلة والفرات ستتراجع خلال السنوات المقبلة بنسبة قد تصل إلى النصف، ما يعني عجزاً مائياً سيقتطع المزيد من نصيب الأهوار.
وقالت الباحثة في الشأن البيئي زينب الحسني، إن “الهوية المائية لبلاد الرافدين أصبحت في غرفة الإنعاش، والأهوار أول الضحايا”.
وارتسمت أرض الأهوار اليوم كرمز مأساوي لصراع الإنسان مع الماء، إذ تداخلت قسوة المناخ مع سوء الإدارة وتنازع الحصص المائية، ليبقى المشهد النهائي مساحات متشققة تروي حكاية حضارة تُمحى ببطء من الخرائط.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
فضائيات عربية: السوداني يتوسط لعقد لقاء بين توم باراك ونوري المالكي لتوضيح وجهات النظر بين الطرفين
داعش يتبنى هجومين ضد الجيش السوري بعد وصف الشرع بالمرتد
الكهرباء تنوي ارسال وفد لايران لاستعادة الغاز