المسلة

المسلة الحدث كما حدث

الديمقراطية المبكرة في دول المدن الرافدينية

الديمقراطية المبكرة في دول المدن الرافدينية

18 شتنبر، 2025

بغداد/المسلة:

الديمقراطية المبكرة في دول المدن الرافدينية: مجلس الشيوخ والعدالة المؤسسية قبل أثينا بألف عام

محمد عبد الجبار الشبوط

مقدمة

تُعد بلاد الرافدين مهد الحضارة الإنسانية الأولى، حيث ظهرت فيها مدن مستقلة منذ الألفية الرابعة قبل الميلاد، مثل أور، لكش، وأوروك. هذه المدن لم تشهد فقط ابتكار الكتابة والزراعة المنظمة، بل أبدعت أيضًا مؤسسات للحكم حملت ملامح ما يمكن أن نسميه الديمقراطية المبكرة؛ أي مشاركة نسبية للمجتمع في اتخاذ القرار، قبل أن تظهر التجربة الأثينية الكلاسيكية بما يزيد على ألف عام. وقد وصفها الباحث جون كين في كتابه The Life and Death of Democracy بأنها “ديمقراطية المجلس” (Assembly Democracy)، في إشارة إلى مركزية المجالس في صنع القرار.

أولًا: مؤسسات الحكم في دول المدن

تشكلت أنماط الحكم في مدن سومر على محورين:
1. الملك/الإنسي: القائد الإداري والديني والعسكري.
2. المجالس: وهي مؤسسات جماعية ذات دور استشاري وقراري، أهمها:
• مجلس الشيوخ (Assembly of Elders): يضم كبار السن والحكماء، ويُستشار في القرارات المصيرية كالحرب والسلم.
• مجلس الرجال الأحرار (Assembly of Freemen/Youths): يمثل شريحة أوسع من المجتمع، خاصة الرجال القادرين على حمل السلاح.

بهذا التوازن، لم تكن السلطة مطلقة بيد الحاكم، بل خاضعة لعُرف مؤسسي يحدّ من الانفراد بالقرار.

ثانيًا: الشاهد النصي في ملحمة گلگامش

تُعتبر ملحمة گلگامش (حوالي 2100 ق.م) من أبرز النصوص التي تعكس هذه الظاهرة. ففي اللوح الثاني، حين قرر گلگامش أن يذهب مع صديقه أنكيدو لمقاتلة خمبابا حارس غابة الأرز، لم يشرع في ذلك مباشرة، بل:
• عرض قراره على مجلس شيوخ أوروك، الذين أبدوا تحفظًا وحذرًا من هذه المغامرة.
• ثم لجأ إلى مجلس الشبان، الذي دعم خطته بحماسة وشجّعه على تنفيذها.

هذا المشهد يُظهر أن قرار الحرب لم يكن قرارًا فرديًا صرفًا، بل خاضعًا للنقاش المؤسسي أمام مجالس المدينة. إنه أقرب ما يكون إلى وجود “سلطتين تشريعيتين”: إحداهما تمثل الحكمة والتجربة (الشيوخ)، والأخرى تمثل الإرادة الشعبية المباشرة (الشبان).

ثالثًا: إصلاحات أوركاگينا ونشوء مفهوم العدالة

في القرن 24 ق.م، قام أوركاگينا حاكم لكش بإصلاحات شاملة عُدت أول محاولة لتقنين العدالة الاجتماعية:
• أعفى الأرامل والأيتام من الضرائب.
• قيّد استغلال الأغنياء للفقراء.
• سنّ قواعد تحدّ من الفساد الإداري والديني.
• استخدم لأول مرة في التاريخ لفظة “أمَـا-گي” (ama-gi) التي تعني الحرية.

هذه الإصلاحات تكشف عن وعي مبكر بضرورة ضبط السلطة لمصلحة المجتمع، وهو ركن أساسي في أي تجربة ديمقراطية.

رابعًا: القوانين والبنية البيروقراطية

لاحقًا، شهدت سلالة أور الثالثة (القرن 21 ق.م) صدور قانون أور-نامو، الذي نصّ على أن الملك هو “منارة العدل” لجميع المواطنين، مع إلزام السلطات المحلية بحل النزاعات وفق إجراءات محددة.
كما كشفت التنقيبات الحديثة في “غيرسو” (جنوب العراق) عن أرشيفات ضخمة تعود إلى الدولة الأكدية، تظهر وجود جهاز بيروقراطي معقّد، سجّل المعاملات والموارد والمناصب، بما يعكس ممارسة مبكرة لفكرة الدولة المؤسسية المنظمة.

خامسًا: مقارنة مع الديمقراطية الأثينية

رغم أن ديمقراطية المدن السومرية لم تكن مساواتية بالمعنى الأثيني (حيث كانت السلطة محصورة بالرجال الأحرار دون النساء والعبيد)، فإنها تمثل:
• سابقة تاريخية في التشاور المؤسسي وصنع القرار الجماعي.
• تجربة سبقت ظهور “الإكليسيا” الأثينية بأكثر من ألف عام.
• جذورًا مبكرة لفكرة أن القرار السياسي ليس حكرًا على الفرد الحاكم، بل يجب أن يُعرض للنقاش أمام المجتمع أو ممثليه.

الخاتمة

إن الشواهد من ملحمة گلگامش، وإصلاحات أوركاگينا، وقوانين أور-نامو، تكشف أن بلاد الرافدين لم تكن مجرد مهد الكتابة والزراعة، بل أيضًا مهد أولى أشكال الديمقراطية المبكرة. هذه التجربة تضع الرافدين في قلب السردية العالمية لتطور فكرة الحكم التشاركي، وتؤكد أن “الديمقراطية الأثينية” لم تكن البداية، بل مرحلة متقدمة في مسار طويل ابتدأ في سومر.


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author