بغداد/المسلة:
علي مارد الاسدي
لم تكن كلمة معاوية للمرأة التي واجهته بشجاعة «لقد لمّظكم ابن أبي طالب الجرأة على السلطان» مجرد انفعال سياسي عابر، بل كانت اعترافًا صريحًا بأن عليًا ربى شعبًا لا يخاف الحاكم، ولا يتلعثم حين يقول الحق، ولا يرى رأس السلطان أعلى من أن يُناقش أو يُحاسب. تلك المرأة لم تكتفِ بالجرأة، بل صفعته بكلمة ستظل مشتعلة في الذاكرة: «إنما ربانا علي على الحق، وأنت رباك أبو سفيان على المُلك». في هذه الجملة وحدها تتجلى فلسفتان: علي يصنع المواطنين، وبنو أمية يصنعون التابعين.
مدرسة علي هي مدرسة الوعي، حيث لا يُجرم النقد، ولا تُكتم أصوات المعارضة، ولا تصبح السلطة مكانًا للرعونة والاستعلاء، بل فضاءً للمسؤولية الأخلاقية. لذلك كان علي يدعو الناس إلى أن يقفوا في وجهه إذا أخطأ، وأن يصححوا له إذا مال، قائلاً: «لا تكفوا عن مقالة بحق، أو مشورة بعدل». لم يُرهب الناس ولا أسكتهم، بل كان يبحث في أصواتهم عن الحقيقة التي قد تخفى على الحاكم المنشغل بأعباء الدولة.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يدخل أحد الخوارج على علي في مجلسه فيشتمه بعبارة قاسية، فيلتفت الإمام إلى أصحابه الذين أرادوا النيل منه بكل سكينة ويقول: «دعوه، إنما سب بسب، أو عفو عن ذنب». لم يزجه في السجن، ولم يأمر بقطع رأسه، ولم يقل أن هيبة الدولة قد مُست. كان علي يعلم أتباعه، خصومًا وأصدقاء، أن الحاكم لا يُحترم بالقمع، بل بالعدل، وأن الدولة التي تكمم الأفواه ساقطة قبل أن تسقط.
هذا الإرث العلوي لم يبق حبرًا على ورق، بل صار طبقة راسخة في الوعي الشيعي، ومزاجًا سياسيًا صعب التطويع. الجمهور الذي تربى على قول الحق لا يعرف الخضوع، والجماعة التي خرجت من رحم كربلاء لا تتصالح مع الظلم، والناس الذين تشربوا دروس علي والحسين لا يقبلون أن تتحول السلطة إلى صنم مقدس فوق النقد. لهذا تجد الشيعي قريبًا من الاحتجاج، ميالًا إلى المعارضة الأخلاقية، حاد الحساسية تجاه الظلم، مستعدًا للوقوف في وجه الفاسد حتى لو كان من بيته السياسي.
وهذا هو السر الذي حير القادة الشيعة بعد عام 2003، فهم يواجهون جمهورًا لا يقاد بالعصا، ولا يساق بخطاب الخوف، ولا يخضع لهيبة اللقب. جمهور يؤمن أن السلطة أمانة لا امتياز، ومسؤولية لا مكرمة، وأن الحاكم إذا انحرف سيسقطه قومه قبل أعدائه.
إن الرسالة التي تحملها روايات علي، من جرأة المرأة أمام معاوية إلى تسامحه مع سباب الخارجي، رسالة مضيئة للشيعة اليوم: أنتم أبناء مدرسة لا تنتج عبيدًا، بل أحرارًا، لا تُخرج طغاة، بل تُخرج من يحاسب الطغاة. لا يمكن لدكتاتور أن يستقر في بيئة تربى أهلها على الكرامة والشجاعة، ولا يمكن لفساد أن يعيش طويلًا في مجتمع يرى النقد واجبًا لا فضيلة.
إن كلمة معاوية ليست تاريخًا فقط، إنها وثيقة سياسية تقول إن مدرسة علي تصنع شعوبًا تقف ولا تركع، تقول ولا تصمت، تحاسب ولا تخاف. ولهذا يبقى الجمهور الشيعي جمهورًا صعبًا، مرهقًا لسلطان الظلم، شديدًا على الفاسد، لا ينقاد بسهولة، ولا يهب صكوك البراءة لأحد، ولا يسكت عن اعوجاج… لأنه ببساطة تربى في حضرة الإنسان العظيم علي بن أبي طالب.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
الصادقون لدولة القانون: قدموا وثيقة رسمية موقعة من قادة الإطار تثبت ترشيح المالكي
العراق ليس ولاية عثمانية ولا ساحة لحروب الآخرين
نذير الفناء: أضخم حشد أمريكي يطوق إيران.. هل بدأت ساعة الصفر؟