المسلة

المسلة الحدث كما حدث

المجلس الأطلسي: العراق على سكة الاعمار في السنوات الماضية.. والفائز بالانتخابات لا يحصد الثمار والاطار يريد تعيين مدير عام لا رئيس حكومة

المجلس الأطلسي: العراق على سكة الاعمار في السنوات الماضية.. والفائز بالانتخابات لا يحصد الثمار والاطار يريد تعيين مدير عام لا رئيس حكومة

16 دجنبر، 2025

بغداد/المسلة:

كتبت فيكتوريا جي. تايلور المدير المشارك لمبادرة العراق في برامج الشرق الأوسط بالمجلس الأطلسي في صحيفة
“المجلس الأطلسي”:
أفرزت الانتخابات البرلمانية العراقية في 11 نوفمبر/تشرين الثاني حالة من التنافس والمناورة بين الأحزاب السياسية حول قضايا من بينها هوية رئيس الوزراء المقبل.

ويبدي بعض السياسيين العراقيين تردداً في منح رئيس الوزراء محمد شياع السوداني ولاية ثانية.
وبينما يتواصل هذا التنافس السياسي، يشعر كثير من العراقيين بالاغتراب عن عملية سياسية يرون أنها غير مستجيبة لمخاوفهم.

وقبل بضعة أشهر، وصفت مجلة «الإيكونوميست» بغداد بأنها «مدينة الطفرة المفاجئة» في العالم. وبالفعل، تبدو مؤشرات البناء واضحة في أنحاء المدينة.

وقد بلغت صورة رافعة البناء من القوة حدّ أن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني استخدم الرافعة رمزاً لتحالفه «الإعمار والتنمية» خلال الانتخابات البرلمانية التي جرت في 11 نوفمبر/تشرين الثاني، مع لوحات دعائية للحملة تظهر صورة للسوداني وهو يرتدي خوذة السلامة.

والآن، بات أحد أكثر الأسئلة إلحاحاً على مسار الديمقراطية والمجتمع في العراق هو ما إذا كان النظام السياسي في البلاد قادراً على مواكبة التغير المعروض في الشوارع. وخلال لقاء وفد المجلس الأطلسي الذي كنت ضمنه مع سياسيين ومحللين وصحفيين وشباب عراقيين في بغداد وأربيل ودهوك، سمعت رسائل تفاؤل بشأن أن العراق يتجه أخيراً في الطريق الصحيح. لكنني سمعت أيضاً تشككاً عميقاً في قدرة النظام السياسي العراقي على مواجهة التحديات العديدة المقبلة بفاعلية.

«البيت الشيعي»: الفائز لا يحصد كل شيء

في أعقاب الانتخابات العراقية، أطلق النخبة السياسية في البلاد نقاشات داخلية لتشكيل الحكومة المقبلة. وقد فاز تحالف «الإعمار والتنمية» الذي يقوده رئيس الوزراء بأكبر عدد من الأصوات (1.3 مليون) وبأكبر عدد من المقاعد (ستة وأربعون) في انتخابات الشهر الماضي. ويعكس نجاح السوداني الانتخابي ارتفاع معدلات شعبيته، إذ يشير استطلاع إلى أن السوداني كان السياسي الأكثر شعبية في العراق خلال الفترة التي أعقبت عام 2003.

وعلى الرغم من أن الأحزاب السياسية الشيعية التي تشكل «الإطار التنسيقي» الحاكم خاضت الانتخابات بقوائم منفصلة، فإن الإطار تماسك سريعاً في الأيام التي تلت الاقتراع.

وقال لنا قادة سياسيون شيعة إن هناك إجماعاً راسخاً—مع الاستثناء البارز للسوداني—على ألا يحصل أي رئيس وزراء على ولاية ثانية، وأن رئيس الوزراء المقبل لن يُسمح له بتشكيل حزبه السياسي الخاص.

وحتى مع استمرار قادة الإطار في مناقشة مزايا المرشحين المحتملين لرئاسة الوزراء، كان القرار واضحاً سلفاً: رئيس الوزراء المقبل في العراق سيعمل، فعلياً، بوصفه «مديراً عاماً»—ينفذ سياسات الإطار، لا أن يضعها.

السنة والأكراد منقسمون

إذا كان لدى السوداني أي أمل في تشكيل تحالف عابر للطوائف قائم على دعم من الأحزاب الكردية والسنية، فقد بدا هذا الاحتمال بعيداً في الأيام الأولى بعد الانتخابات. وقد شارك قادة السنة والأكراد إلى حد كبير الموقف الشيعي القائل بوجوب حصر ولايات رؤساء الوزراء بولاية واحدة، مستشهدين من مختلف الأطياف السياسية بالولاية الثانية شبه السلطوية لرئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي بوصفها قصة تحذيرية.

وفي الأيام الأولى بعد الانتخابات، لم يكن ثمة ما يوحّد السنة سوى اتفاق عام على أن محمد الحلبوسي، زعيم حزب «تقدم»، لا ينبغي أن يعود رئيساً للبرلمان. وفي 23 نوفمبر/تشرين الثاني، أعلن السنة تحالفهم الخاص، «المجلس السياسي الوطني»، المصمم ليكون بمثابة إطار تنسيقي شبه مماثل للسنة، ويهدف إلى إظهار الوحدة في مواجهة الكتلة الشيعية. لكن هذا التحالف لا يزال، حتى الآن، غير مختبر.

وقد ذكّرتنا لقاءاتنا في إقليم كردستان بأن الحزبين الرئيسيين في الإقليم، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، لم يحسما بعد عناصر أساسية في تشكيل حكومة إقليم كردستان، وذلك بعد أكثر من عام على انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2024. وتكهّن بعض السياسيين بأن الأكراد قد يؤخرون عملية تشكيل الحكومة في بغداد نظراً للخلافات بين الجانبين حول الحزب الذي سيسيطر على الوزارات السيادية في الإقليم، وحول ما إذا كان الحزب الديمقراطي سيصر على الاحتفاظ بمنصب رئاسة الجمهورية العراقية، خلافاً للنمط السابق الذي كان يمنح هذا المنصب للاتحاد الوطني.

حقق سياسيون وأحزاب مرتبطة بجماعات مسلحة تقدماً في انتخابات الشهر الماضي. فقد فاز تحالف «صادقون»، الجناح السياسي لمنظمة «عصائب أهل الحق» المصنفة من الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية أجنبية، بسبعة وعشرين مقعداً، ارتفاعاً من سبعة مقاعد في الانتخابات السابقة. كما فازت منظمة بدر، المرتبطة بالميليشيات (وإن لم تُصنّف بعد)، بثمانية عشر مقعداً، وظهر عدد من المرشحين المرتبطين بميليشيات على قوائم أحزاب سياسية رئيسية. ووفقاً لبعض التقديرات، بات مرشحو الميليشيات يمثلون أكثر من خمسين مقعداً في البرلمان، ما يبرهن على أن هذه الجماعات لا تزال فاعلاً سياسياً مؤثراً.

وخلال مناقشاتي مع كثير من السياسيين العراقيين، سمعت إقراراً واضحاً بأن رئيس الوزراء المقبل سيتعين عليه إخضاع الميليشيات لسيطرة الدولة. وفي الوقت نفسه، فإن تنامي النفوذ السياسي والاقتصادي للميليشيات سيشكّل تحدياً سياسياً داخلياً كبيراً لأي محاولة في هذا الاتجاه. ومن المرجح أن يكون المسؤولون الأميركيون قد رسموا، بهدوء، خطاً أحمر يصر على استبعاد الجماعات المسلحة التي صنفتها واشنطن منظمات إرهابية أجنبية من الحكومة المقبلة. وإذا كان الأمر كذلك، فسيشكّل ذلك تحدياً سياسياً للإطار التنسيقي في ضوء الأداء القوي للأحزاب المرتبطة بالميليشيات.

الولايات المتحدة لا تزال مهمة
حتى وإن كان العراق قد تراجع إلى حد كبير عن صدارة اهتمام واشنطن، فإن العراقيين أبدوا حرصاً على مناقشة الشراكة الأميركية–العراقية. وقد شدد الأكراد والسنة، وحتى القادة الشيعة في العراق، على أهمية العلاقة مع الولايات المتحدة ورغبتهم في تعزيزها.

وبينما يظل النفوذ الإيراني في البلاد حاضراً بقوة، فإن ما شاهدته من مناورات سياسية خلف الكواليس كان، إلى حد كبير، مدفوعاً بعوامل عراقية داخلية، ويبدو أنه تحركه اعتبارات سياسية محلية أكثر من أي ضغوط خارجية. وقد عبّر قادة سياسيون شيعة عن إجماع حول سياسة خارجية عراقية توازن بين شراكة قوية مع الولايات المتحدة وعلاقة تاريخية راسخة مع إيران. كما أكد عدد من القادة والمحللين السياسيين العراقيين لي أن رئيس الوزراء المقبل سيسعى إلى الاستمرارية في السياسة العراقية، بما في ذلك تجاه الولايات المتحدة.

وفي حين قد يكون السياسيون العراقيون مستثمرين بعمق في نتائج الانتخابات وعملية تشكيل الحكومة، فإن ذلك لا يعني أن الرأي العام العراقي ككل يشاركهم الاهتمام ذاته. فقد خلص كثير من العراقيين الذين تحدثت إليهم إلى أن الانتخابات لا تُحدث فرقاً كبيراً. وأعرب محللون سياسيون مخضرمون وناشطون في المجتمع المدني وشباب عراقيون عن شعورهم بالاغتراب عن العملية السياسية، بل اعترف بعضهم بأنهم لم يصوتوا في انتخابات الشهر الماضي ولا يرغبون في إضفاء شرعية على النظام السياسي في العراق.

وأشار مجموعة من الشباب العراقيين إلى خيبة الأمل التي أعقبت قمع الحكومة لحركة تشرين عام 2019، عندما خرج الشباب إلى الشوارع مطالبين بتغيير سياسي جذري، وإلى فشل المرشحين المستقلين والناشطين السياسيين في إحداث أي تغيير بعد دخولهم البرلمان في عام 2021. وبدلاً من ذلك، قالوا إن بعض هؤلاء الناشطين جرى استيعابهم داخل النظام السياسي، فانضموا إلى الأحزاب الرئيسية التي كانوا قد خاضوا حملاتهم ضدها في الأصل. وفي انتخابات هذا العام، جرى، إلى حد كبير، إقصاء المرشحين المستقلين ومرشحي المجتمع المدني.

وأشار سياسيون عراقيون من مختلف الاتجاهات إلى ارتفاع نسبة المشاركة في التصويت مقارنة بالتوقعات، غير أن المشككين ردوا بأن هذه كانت «انتخابات الأثرياء»—حيث كانت المشاركة نتيجة إنفاق سياسي غير مسبوق أكثر من كونها تعبيراً عن حماس انتخابي متزايد.

وبالنسبة لكثير من العراقيين، فإن حقيقة أن نتائج الانتخابات لا يكون لها سوى تأثير ضئيل على عملية تشكيل الحكومات تمثل تذكيراً آخر بأن النظام السياسي يفتقر إلى آليات فعالة تُمكّن المواطن العادي من محاسبة قيادته.

وعد عراق متغيّر
ومع ذلك، لمستُ وعد عراق مختلف. فعندما قدتُ على ما يُعرف بطريق المطار أو «طريق إيرلندي»، الممتد من مطار بغداد إلى المنطقة الخضراء، كان من السهل نسيان أن هذا الطريق كان يوماً سيئ الصيت بوصفه موقعاً لهجمات متكررة على قوافل أميركية. وحتى هذا العام فقط، كانت وزارة الخارجية الأميركية لا تزال تستخدم مروحيات «بلاك هوك» لنقل موظفيها من المطار إلى السفارة الأميركية. أما وفدنا، فقد قطع الطريق بهدوء في سيارة عادية.

وخلال وجودي في بغداد، سرت في شارع المتنبي، الممر التاريخي المليء ببائعي الكتب والمقاهي، والذي أُعيد بناؤه في السنوات الأخيرة بعد تفجير سيارة مفخخة مدمّر عام 2007 أودى بحياة أكثر من ثلاثين شخصاً ودمّر هذا المركز الحيوي للمثقفين العراقيين. وتجولت بحرية في دهوك وأربيل، تسوقت في الأسواق، وتجولت حول قلعة أربيل، وتذوقت المأكولات المحلية في المطاعم.

ورغم كثرة التحديات المقبلة، غادرت العراق متسائلة، بعد عقدين من الصراع، عمّا إذا كانت البلاد قد تجاوزت المنعطف الحاسم. وخلال زيارتي، شعرت مراراً بتطلع العراقيين إلى التغيير.

وقريباً، ستتاح للحكومة المقبلة فرصة الاستجابة لهذه اللحظة. وليس هناك نقص في القضايا الملحّة التي يتعين عليها معالجتها، من الميليشيات والإصلاحات الاقتصادية إلى أزمة المياه المستمرة.

لكن ربما تكون الخطوة الأهم على الإطلاق هي أن تبدأ الحكومة في تضييق الفجوة بين النخبة السياسية والشعب.

التقرير يعبر عن وجهة نظر الكاتبة وموقع “المجلس الأطلسي”.

 

 


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author