المسلة

المسلة الحدث كما حدث

تصاعد مؤشرات المواجهة: قراءة تحليلية في احتمالات الحرب وتحولات الإقليم

تصاعد مؤشرات المواجهة: قراءة تحليلية في احتمالات الحرب وتحولات الإقليم

24 فبراير، 2026

بغداد/المسلة:

مقدمة: بين جمود التفاوض واحتمال الانفجار

بعد انتهاء الجولة الثانية من المفاوضات، ساد صمتٌ طويل قبل أن يُعاد طرح فكرة الجولة الثالثة. هذا الفراغ الزمني أعاد إلى الأذهان مشهد ربيع ما قبل حرب الأيام الاثني عشر، حين طال الانتظار عقب الجولة الخامسة، وتعددت التصريحات، قبل أن يُعلن عن جولة جديدة، ثم يقع الهجوم بصورة مفاجئة.

اليوم، يتكرر النمط ذاته تقريبًا، لكن في بيئة إقليمية أكثر هشاشة، وتحت سقف توقعات أعلى بكثير.

لعبة الوقت: إدارة الغموض كأداة سياسية

الحديث عن عقد محادثات يوم الجمعة جاء مشروطًا بتقديم المقترح النهائي خلال 48 ساعة. هذا الشرط يعكس، في جوهره، إدارة محسوبة للوقت. فالمشهد الحالي يتسم بما يمكن تسميته “تكتيك إدارة الغموض”، ويتجلى في:
• تحديد مهَل قصيرة ومتبدلة.
• تصريحات عن جاهزية عسكرية ضمن أطر زمنية مختلفة.
• تسريبات تتعلق بتقديرات زمنية للبرنامج النووي.
• إبقاء باب التفاوض مفتوحًا دون ضمانات واضحة.

في مثل هذه السياقات، يصبح عامل الوقت أداة ضغط بحد ذاته، كما يصبح الضجيج الإعلامي جزءًا من المعادلة لا مجرد انعكاس لها.

التصعيد الخطابي وصناعة لحظة الحسم

من اللافت في المرحلة الحالية تصاعد الخطاب السياسي، سواء عبر التساؤلات التي توحي بقرب الحسم، أو عبر الإشارة إلى أن إيران قد تكون على بُعد أسبوع من إيصال اليورانيوم إلى مستوى تشغيلي.

مثل هذه التصريحات، حتى وإن استندت إلى تقديرات فنية، تُستخدم سياسيًا لصناعة شعور بالإلحاح، وتبرير أي خطوة تصعيدية محتملة.

وفي هذا السياق، تناولت تقارير إعلامية غربية احتمالات المواجهة، مشيرة إلى جملة عوامل تُعزز سيناريو الحرب، من بينها:
1. تعثر المسار التفاوضي.
2. استمرار الخلافات حول الملف النووي.
3. الضغوط الإسرائيلية.
4. اعتبارات السياسة الداخلية الأميركية.
5. ملف النفط وأمن الطاقة.
6. تقييمات تتعلق بتوازن القوى الإقليمي.

تحركات عسكرية… رسائل استباقية؟

تزامنًا مع التصعيد السياسي، برزت مؤشرات ميدانية، منها إعادة تموضع بعض القوات الأميركية في المنطقة، وتحذيرات دول لرعاياها، وسحب جزء من القوات الألمانية من العراق.

رغم أن هذه الخطوات تُقدَّم رسميًا كإجراءات احترازية، فإن تزامنها مع تصاعد الخطاب السياسي يضفي عليها بعدًا استباقيًا لا يمكن تجاهله. فالتاريخ الإقليمي يبيّن أن التحركات الوقائية غالبًا ما تسبق قرارات كبرى، حتى وإن لم تكن إعلانًا مباشرًا عنها.

صمت إقليمي لافت

في الأسابيع الماضية، لعبت دول إقليمية مثل تركيا ومصر والسعودية والإمارات أدوارًا علنية في محاولة احتواء التصعيد. أما اليوم، فيبدو المشهد مختلفًا، مع تراجع واضح في التصريحات والمبادرات العلنية.

باستثناء سلطنة عُمان، التي يُرجَّح أن تضطلع بدور الوسيط في حال انعقاد محادثات في جنيف، تبدو بقية العواصم أقل حضورًا في المشهد الإعلامي.

هذا التراجع قد يعكس أحد احتمالين:
• وجود ضغوط دولية دفعت إلى خفض سقف المواقف المعلنة.
• أو إدراك بأن احتمالات المواجهة ارتفعت، ما يستدعي تقليل التصريحات العلنية.

وفي جميع الأحوال، فإن الإرهاق الإقليمي من النزاعات، وحساسية أسواق النفط، وهشاشة مضيق هرمز، عوامل تدفع تلك الدول إلى تجنب انزلاق واسع النطاق.

شكل الحرب المحتمل

التقديرات المطروحة تدور حول سيناريوهين رئيسين:
• مواجهة تمتد لأسابيع بكثافة عسكرية مرتفعة.
• ضربة قصيرة مركزة تستهدف مراكز القيادة والبنية الحيوية.

المعطيات الحالية تميل إلى ترجيح سيناريو “العملية المركزة”، التي تعتمد على عنصر المفاجأة، وتستهدف تحقيق أثر استراتيجي سريع دون انخراط في قصف شامل واسع.

لكن حتى في حال قصر المدة العملياتية، فإن التداعيات السياسية والاقتصادية قد تكون ممتدة، خصوصًا في ما يتعلق بأسعار النفط وأمن الملاحة.

العراق… معادلة حساسة

يقف العراق في موقع بالغ الحساسية ضمن هذا المشهد، نظرًا لموقعه الجغرافي وتشابكاته السياسية والأمنية. الضغوط السياسية، والرسائل الدولية، والتوترات الداخلية، جميعها تجعل الساحة العراقية عرضة لتأثيرات مباشرة أو غير مباشرة لأي تصعيد.

التحدي الأكبر يتمثل في الحفاظ على الاستقرار الداخلي، ومنع تحوّل الأراضي العراقية إلى ساحة مواجهة بالوكالة.

خلاصة

المشهد الراهن يتسم بارتفاع مستوى الاحتمالات، وإدارة دقيقة للغموض الزمني، وتراجع ملحوظ في الصوت الإقليمي العلني، بالتوازي مع مؤشرات ميدانية احترازية.

إذا اندلعت الحرب، فمن المرجح أن تبدأ بشكل مفاجئ ومدروس، وأن تكون قصيرة في بعدها العسكري، لكنها قد تفتح بابًا لتداعيات أوسع يصعب احتواؤها سريعًا.

في نهاية المطاف، لا يكمن السؤال فقط في ما إذا كانت الحرب ستقع، بل في طبيعة حدودها، ومدى قدرتها على البقاء ضمن نطاق يمكن التحكم فيه.


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author