بغداد/المسلة:
عبد الحسين شعبان
يواصل د. عبد الحسين شعبان تقليبه وتنقيبه في أوراق نوري عبد الرزاق المثقّف الرؤيوي الكبير والمجدّد المستنير كما يسمّيه، وهو أحد الشخصيات الشيوعية البارزة، التي احتّلت مواقع دولية عليا بجدارة كبيرة في ظروف الصراع الدولي المحتدم بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، ونال في العام 1974 وسام لينين.
وتحتوي المذكرات على معلومات مهمة مثلما تكشف عن رؤية قيمية وإنسانية، يحاول صديقه شعبان إبرازها في مسعى منه لقراءة تاريخنا المعاصر بروح منفتحة ومنهج موضوعي، من خلال المساهمين في صنعه أو المشاركين فيه أو الشاهدين عليه.
ويمثّل هذا الجهد الأكاديمي الثقافي المعرفي التاريخي الذي يقوم به شعبان، وهو مفكّر مرموق وباحث رصين منذ أكثر من أربعة عقود من الزمن، زادًا غنيًا للباحثين ومادةً مهمة للدارسين لتحويل الذاكرة الشفوية إلى إحدى مصادر التاريخ بعد تدقيقها وتأطيرها وتنسيقها وإبعادها عن الغرض لتتواءم مع الوقائع والوثائق التاريخية.
هيئة تحرير الوطن
يقول نوري أن الخلاف الصيني – السوفيتي أثّر على الحركة الشيوعية بشكل كبير، بما فيها على الحزب الشيوعي العراقي، حيث ساهم في زيادة التخبّط في السياسة وانقسام القيادة، وقد أخذ الحزب موقفين متناقضين أو غير مترابطين، وربما غير مطلوب منه أن يتّخذهما.
مواقف متعارضة
الموقف الأول – نشر الحزب في جريدة اتحاد الشعب وثيقة الحزب الشيوعي الصيني الموسومة “تحيا اللينينية”، وذلك بمناسبة الذكرى التسعينية (1960) لميلاد لينين (22 نيسان / أبريل 1870)، وهذه الوثيقة وتحليلاتها واستنتاجاتها تضع نهجًا وإطارًا استراتيجيًا للحركة الشيوعية، وهو نهج معاكس للاتجاه العام الذي حدّده اجتماع الأحزاب الشيوعية والعمالية في العام 1957 والذي ركّز على مبدأ التعايش السلمي، وجاء بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي 1956، الذي قدّم فيه خروتشوف زعيم الحزب انتقادات شديدة إلى قيادة ستالين وممارساته الدموية.
ويومها لم يكن المؤتمر الثاني للأحزاب الشيوعية والعمالية العالمية قد انعقد (1960)، وكان انعقاده إعلانًا صريحًا وعلنيًا عن وصول الصراع الصيني – السوفيتي إلى طريق مسدود، وعلى أثره أخذت الأحزاب الشيوعية تبني مواقفها.
يقول نوري: لقد كان نشر وثيقة “تحيا اللينينية” في جريدة اتّحاد الشعب يدلّ على أن الحزب يتبنّى أو يتوافق مع وجهة النظر الصينية إزاء الخلاف في الحركة الشيوعية، وهو أمر لم يكن محسومًا أو متفقًا عليه، وقد يعود الأمر ربما إلى تأثّر بعض قادة الحزب بالتيار الصيني أو بالتحليلات الصينية باعتبار المنطقة العربية مشابهة للصين في تخلّفها وكونها من العالم الثالث، وعدم وجود طبقة عاملة (بروليتاريا) بالمعنى المعروف والمتداول في الأدبيات الماركسية، وبكل الأحوال هو تقليد سارت عليه قيادات الأحزاب الشيوعية في اقتفاء أثر الأحزاب الكبيرة (المركز الأممي) بالانحياز إلى هذا المركز أو ذاك.
الإمبريالية نمر من ورق
من أبرز معالم النهج الصيني هو التقليل من أهمية الحفاظ على السلم العالمي وازدراء مبادئ التعايش السلمي التي اعتمدها المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفيتي، وقد أخذت الأدبيات الصينية تستخفّ بقوّة الإمبريالية التي اعتبرتها “نمر من ورق” غير مكترثة بقيام حرب نووية، ويذهب هذا التوجّه إلى القول أن الحرب النووية، حتى وإن قضت على 700 أو 800 مليون إنسان، فإن البقية الباقية سوف تنهض بالأرض لبناء الشيوعية وإلغاء استغلال الإنسان للإنسان، لأن الحرب النووية ستنهي الإمبريالية، وأساس هذه الفكرة بالرغم من خطئها وخطلها أنها لا إنسانية، حتى وإن تغلّفت بفكرة نبيلة وغاية شريفة، فكيف يمكن قبول إبادة مئات الملايين من البشر؟
إنها فكرة ميكافيلية تقوم على أن الغاية تبرر الوسيلة، علمًا بأن لا غاية شريفة وعادلة دون وسيلة شريفة وعادلة، وشرف الغاية هو من شرف الوسيلة، فكيف يمكن بناء مجتمعات سعيدة بعد تدمير نحو ربع البشرية في حينها؟ وأي مستقبل هذا الذي ينتظر الإنسانية بعد التدمير الجماعي؟ ويمكن القول أي خيال مريض هذا الذي يتمخّض عنه مثل تلك الأفكار؟
الجدير بالذكر أن الكثير من الأحزاب والدول اتّخذت مواقف مناوئة لوثيقة الحزب الشيوعي الصيني، ويقول نوري: إن ذلك يعني أن دولًا ستزول بالكامل إذا كانت صغيرة وعدد نفوسها مثلًا 10 أو 12 مليون نسمة.
وفي فترة الستينيات احتدم الصراع الصيني – السوفيتي، وجرت اتّصالات مكثّفة لتغيير مواقف بعض الأحزاب التي كانت قريبة من الحزب الشيوعي الصيني، والتي كان حظّها قليلًا في العالم العربي، حيث كانت الأحزاب الشيوعية العربية تابعة للمركز الأممي السوفيتي.
لموقف الثاني – كان نقيضًا للموقف الصيني، وإن كان الموقفان لم يستندا إلى تحليلات عميقة ونقاشات فكرية هادئة، وكان الاتجاه السائد بين أعضاء القيادة تنافسيًا انفعاليًا ومبالغًا فيه، خصوصًا التيار الذي حاول التقارب مع الصين، وهكذا استدارت قيادة الحزب تمامًا لتتبع الخط السوفيتي، بل أصبحنا كما يقول نوري أكثر من السوفييت أنفسهم اندفاعًا ضدّ التيار الصيني، وكما يُقال كاثوليكي أكثر من الكاثوليك أو ملكي أكثر من الملك.
إزاحة سلام عادل
انعكس هذا الصراع الحزبي، حسب نوري، على التحرّك الجماهيري والعلاقة مع عبد الكريم قاسم، وكان من نتائجه إضعاف الحزب الشيوعي على مواجهة التآمر، وترافق ذلك مع نزوع بعض قادة الحزب لإزاحة السكرتير العام سلام عادل، وهو ما عُرف باسم كتلة الأربعة (زكي خيري، عامر عبد الله، بهاء الدين نوري ومحمد حسين أبو العيس)، ولو أن الأخير لم يكن محسوبًا على الآخرين، علمًا بأن الرفاق الأربعة لا يمثّلون كتلة متجانسة.
يرجّح نوري أن أسباب الصراع، إضافة إلى العوامل الموضوعية، ثمة عامل ذاتي مهم، فالقيادات التي خرجت من السجن بعد الثورة كانت منقطعة عن العالم الخارجي لسنوات طويلة، وقد ضمّهم سلام عادل إلى طاقم القيادة، علمًا أن بعضهم كان أقدم منه وفي المواقع الأولى قبل أن يستلم القيادة (1955)، ولكنه قام بجهود خارقة كما يقول نوري لإعادة بناء الحزب وجمع شمله وتحقيق وحدته وإنهاء التكتلات والانقسامات في صفوفه.
وعقد الكونفرنس الثاني (1956) وتبنّى خط سياسي منسجم مع خط التحرر القومي العربي وفي ضوء النظرة الماركسية الشاملة حسب الظروف العراقية (يمكن مراجعة كتابنا “عامر عبد الله، النار ومرارة الأمل – فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية”، دار ميزوبوتيميا، بغداد، 2014) وكتابنا (“سلام عادل الدال والمدلول وما يمكث وما يزول”، دار ميزوبوتيميا، بغداد، 2019).
كان بعض القادة يرون في أنفسهم أحق من سلام عادل بالقيادة متناسين دوره المهم فيما وصل إليه الحزب من نفوذ ومكانة، وقد حسم الصراع في العام 1961 حين تقرّر سفر سلام عادل إلى موسكو للدراسة في المدرسة الحزبية، ورشح زكي خيري ليكون المسؤول الأول بغيابه، علمًا بأن الذين رشّحوا زكي خيري، ومنهم عامر عبد الله، الذي قاد المبادرة لم يكن مقتنعًا به، ومثلما يقول نوري لو اطّلعنا على مذكرات زكي خيري سنرى كم من الهجاء الذي يخصصه زكي خيري لعامر عبد الله.
وبعد سفر سلام عادل تقرّر سفر عامر عبد الله وكانت عضوية بهاء الدين مجمّدة لأنه رفض تقديم نقد ذاتي في اجتماع موسكو للأحزاب الشيوعية والعمالية (1960) لموقف قيادة الحزب بسبب تأييدها للخط الصيني ونشر وثيقة “تحيا اللينينية”، حيث كانت القيادة قد طلبت منه ذلك، لكنه امتنع عن تنفيذ رأيها، أو اقتراحها الغريب. ويقول نوري: في كلتا الحالتين ثمة مبالغة بالتأييد والتنديد، وهكذا استبقى بهاء الدين نوري في موسكو للدراسة أيضًا.
وكانت عقوبة أبو العيس بسبب تأييده للخط الصيني، ويقول نوري أنه بعيد عن ذلك، وكان مسؤولي وكنا نتناقش باستمرار ولم ألمس مثل هذا التوجّه لديه.
يقول نوري حين أصبح زكي خيري المسؤول الأول اتّجه بالحزب نحو اليمين، بما فيه تبرير أعمال عبد الكريم قاسم ضدّ الحزب الشيوعي، ممّا أثار ضجة داخل صفوف الحزب، ولم تعالج هذه المسائل إلّا بعد عودة سلام عادل من موسكو ربيع العام 1962 ليتسلّم مركز الحزب (يمكن مراجعة مذكرات باقر إبراهيم، دار الطليعة، بيروت، 2002)، لكن الحزب كان في وضع لا يُحسد عليه، حيث أنهكه الإرهاب والصراع الداخلي والاختلافات الحادة مع القوى الأخرى وانخراطه في الصراع الصيني – السوفيتي.
أزمة الصواريخ الكوبية
يذكر نوري مثلًا مهمًا بعد أزمة الصواريخ السوفيتية في كوبا (خريف العام 1962)، فيقول كان خروتشوف قد قيّم نتائجها بقوله أنه تنازل متبادل بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، الأول قرّر سحب صواريخه؛ والثاني وعد بعدم غزو كوبا، ولذلك فإنه انتصار للسياسة اللينينية بشأن المساومات لدرجة أخذت المدرسة السوفيتية تنظّر إلى هذه الفكرة وتفتّش بأطروحات لينين حول أهمية المساومة التاريخية لتبرير الموقف السوفيتي، والذي على أساسه حاز خروتشوف على وسام جديد، وبعد فترة لا تزيد عن سنتين تمّت إقالته في صراع داخلي محموم ومنافسات حادة على القيادة.
يقول نوري: بقدر ما كان التآمر الداخلي المدعوم خارجيًا قائمًا ضدّ الحكم في العراق، فإن اللجنة المركزية عقدت اجتماعًا طارئًا في خريف العام 1962 (أي قبل الانقلاب البعثي في 8 شباط / فبراير 1963) لمناقشة تقرير خروتشوف والصراع السوفيتي – الصيني، متناسيةً ما يمرّ به الشعب العراقي من إرهاب وقمع، وما ينتظره من تحرّكات مريبة وتآمرية.
لم تكن عودة سلام عادل إلى العراق كافية (أقل من عام) لإعادة تصحيح مسار الحزب وانتهاج سياسة جديدة لتغيير الأوضاع لصالحه ضدّ الحكم الديكتاتوري الفردي، على الرغم من إدراك المخاطر التي تمرّ بها البلاد، خصوصًا بعد اندلاع الحركة الكردية ومواقف شركات النفط ضدّ القانون رقم 80 والعزلة التي عاشها العراق بسبب مطالبته بالكويت، والتي حرّكت أوساطًا عديدة ضدّه مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وإيران وتركيا والأردن، إضافة إلى موقف القيادة المصرية منه والتيار القومي العربي، وهكذا أطيح بقاسم ودفع الشيوعيون أثمانًا باهظة.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
من هم قادة ايرانيون الذي يقلقون واشنطن؟
العراق ساحة الحرب الكبرى بين إيران وأمريكا
أسعار الدولار تنخفض في بغداد واربيل