بغداد/المسلة:
رياض الفرطوسي
في قلب العواصف العاتية التي تضرب المشرق العربي، وفي بلدٍ تضرب جذوره في عمق التاريخ كالعراق، لم تعد الهوية الوطنية مجرد نشيدٍ عابر يُعزف في المحافل أو علماً يُرفع فوق البنايات، بل أصبحت هي “الشيفرة” الوجودية الكبرى التي يقرر فكُّ رموزها مسألة البقاء أو الفناء. إننا نعيش اليوم في هذه الرقعة الجغرافية ما يمكن تسميته بـ “فقر الخيال الوطني”؛ تلك الحالة السريرية التي يَعجز فيها الفرد عن رؤية جاره أو شريكه في الأرض إلا من خلال عدسة الطائفة الضيقة، ويعجز فيها السياسي عن تعريف الدولة إلا بوصفها “غنيمة” مستباحة تُقسّم بين المكونات. إن هذا التآكل في الوجدان الجمعي ليس مجرد صدفة تاريخية، بل هو نتاج مسار طويل من التشويه الذي طال مفهوم “الدولة” في الوعي العراقي والعربي، مما جعل من الضروري إعادة الحفر في جذور هذه الأزمة مستعينين برؤى فكرية عالمية لترميم ما تهدم من جسور الانتماء قبل أن يغرق الجميع في رمال التشرذم المتحركة.
لقد ولدت الدولة الوطنية في منطقتنا، كما يشير المؤرخ “ألبرت حوراني”، من مخاض عسير تداخلت فيه التأثيرات الغربية مع طموحات النخب المحلية التحديثية. لكن هذه الدولة واجهت منذ لحظاتها الأولى مأزقاً بنيوياً تمثل في اصطدامها ببنى تقليدية راسخة من عشائرية وطائفية رفضت التنازل عن نفوذها لصالح كيان قانوني تجريدي يسمى “المواطنة”. وفي العراق تحديداً، كان هذا الصدام أكثر حدة؛ إذ تحولت الدولة تدريجياً من مؤسسة جامعة إلى “مانح” يشتري الولاءات، وهو ما نلمسه بوضوح في مفهوم “الزبائنية السياسية”. وهنا يحذر الفيلسوف السياسي “فرانسيس فوكوياما” في أطروحاته حول “النظام السياسي والانحطاط” من خطورة تحول الدولة إلى أداة للاستيلاء من قبل النخب؛ فحين تصبح الوظيفة العامة والمال العام أدوات لتعزيز النفوذ الفئوي، تسقط هيبة الدولة وتتحول في نظر المواطن من حامٍ للحقوق إلى خصمٍ أو وسيطٍ نفعي. هذا الانحدار هو الذي جعل العراقي يشعر باليتم الوطني، باحثاً عن الأمان في خندقه الأول: الطائفة أو القبيلة، مما حول الوطن إلى مجرد ساحة انتظار كبرى للخلاص الفردي.
إن المفارقة المريرة تكمن في أن هذه الهويات الفرعية التي تمزق النسيج الاجتماعي اليوم ليست “قدراً أزلياً” كما يُصورها الخطاب الشعبوي، بل هي في جوهرها “هويات مخترعة” أنتجتها الحداثة السياسية المشوهة. فإذا عدنا إلى أفكار “بندكت أندرسون” حول “الجماعات المتخيلة”، سنجد أن الشعور بالانتماء القومي أو الوطني هو صناعة ثقافية وسياسية بامتياز. وفي السياق العراقي، لم تكن الطائفية السياسية يوماً صراعاً فقهياً حول التاريخ، بل كانت استراتيجية حديثة لملء الفراغ الذي تركه انهيار المشروع الوطني الجامع. لقد أدت السلطوية المفرطة، التي ميزت العقود الماضية وصولاً إلى لحظة الزلزال في 2003، إلى تجريف المجال العام من الأحزاب العابرة للهويات، مما دفع المجتمع نحو “الاحتماء بالهوية” كفضاء احتجاجي بديل. وهكذا، تحولت الطائفة من مذهب روحي إلى مؤسسة سياسية وخدمية، وأصبح المواطن مضطراً للمرور عبر “بوابة المكون” ليحصل على أبسط حقوقه، مما عزز من حالة الاغتراب عن الوطن ككيان كلي يحمي الجميع دون وسيط.
هذا “التهتك” الذي نراه اليوم في بنية الدولة العراقية، والذي يمتد بظلاله إلى تجارب عربية أخرى في المشرق مثل سوريا ولبنان، هو نتاج طبيعي لانهيار العقد الاجتماعي القديم القائم على مقايضة “الحرية بالأمان” أو “الخبز بالولاء”. ومع تحول الدولة إلى نموذج ريعي يعتمد كلياً على الثروة النفطية، تلاشت الحاجة إلى بناء اقتصاد منتج يربط المواطنين ببعضهم عبر شبكة من المصالح المشتركة والتبادل المنافعي. وهنا تبرز أهمية العودة إلى مفهوم “الوطنية الدستورية” التي نادى بها الفيلسوف الألماني “يورغن هابرماس”؛ وهي الوطنية التي لا تقوم على العرق أو الدين، بل على الولاء للمبادئ الديمقراطية والقانون الذي يتساوى أمامه الجميع. إن التنوع العرقي والديني في العراق ليس معضلة في حد ذاته، فدول مثل سويسرا أو الولايات المتحدة تضم تنوعاً أكبر، لكن الفارق يكمن في “إدارة التنوع”؛ فبينما تحمي الدولة القوية التعددية تحت سقف القانون، تقوم الدولة الضعيفة بتحويل التعددية إلى أدوات للتفخيخ السياسي والاجتماعي، مما يجعل من التنوع نقمة بدلاً من أن يكون ثراءً ثقافياً.
إن أخطر ما يواجهنا اليوم هو نشوء جيل جديد في العراق والمحيط العربي لم يختبر معنى “الدولة الكفيلة”، بل نشأ في ظل سرديات المظلومية والتشفي المتبادل ومقاطع الفيديو التي تكرس الانقسام. هذا الجيل وقع ضحية لتعليم ومناهج وإعلام كرس فكرة أن التاريخ هو مجرد صراع طوائف، مما غيّب “الحيز الوطني” عن خياله تماماً. ولذا، فإن معالجة هذا الفقر في الخيال الوطني تتطلب أكثر من مجرد شعارات رنانة؛ إنها تتطلب “ثورة في المفاهيم” تعيد الاعتبار للمواطنة بوصفها مصلحة مادية ومعنوية عليا. الخلاص العراقي يكمن في فك الارتباط الذهني بين “الدولة القوية” و”الدولة القامعة”؛ فنحن بحاجة إلى دولة قوية بمؤسساتها، بنزاهة قضائها، وبكفاءة إدارتها، دولة تستمد شرعيتها من قدرتها على تحقيق الرفاه لمواطنيها لا من دغدغة مشاعرهم الطائفية أو المناطقية.
علاوة على ذلك، يجب أن ندرك أن استعادة الوحدة الوطنية في العراق تتطلب جرأة في مراجعة التاريخ والاعتراف بأن الهوية الوطنية ليست قالباً جامداً، بل هي صيرورة متطورة تتسع للجميع. إن الفشل في بناء هوية وطنية دامجة أدى إلى صعود “مقاولين سياسيين” يستثمرون في الخوف المتبادل، مما جعل المجتمع في حالة استنفار دائم ضد “الآخر” الداخلي. إن دروس التاريخ، خاصة تلك المستمدة من تجارب الحروب الأهلية في أوروبا، تؤكد أن السلام المستدام لا يتحقق إلا حين يقتنع الجميع بأن كلفة الصراع أعلى بكثير من كلفة التنازل لصالح الوطن المشترك. واليوم، يجد المثقف العراقي والعربي نفسه أمام مسؤولية أخلاقية لترميم هذا الخيال، ومواجهة التيارات التي تحاول تقزيم الوطن إلى مجرد حصص وأرقام في ميزانية سنوية، فالوطن هو “فكرة” قبل أن يكون مساحة، وإذا ماتت الفكرة في عقول الشباب، فلن ينفع حينها أي نظام سياسي في حفظ السلم الأهلي.
إن تعزيز الوحدة الوطنية ليس ترفاً فكرياً أو خياراً ثانوياً يمكن تأجيله، بل هو ضرورة وجودية لاستمرار المجتمعات في عالم متسارع لا يرحم الضعفاء أو المتشرذمين. التاريخ يعلمنا بوضوح أن المجتمعات التي تفشل في تخيل مستقبل مشترك، تنتهي بالعيش في ماضٍ متنازع عليه، والوقت قد حان لنقرر كعراقيين وعرب أن نكون مواطنين في دولة عصرية كفؤة، لا رعايا في كانتونات متوجسة. إن ترميم “الخيال الوطني” هو الخطوة الأولى نحو استعادة السيادة، واستعادة الكرامة، واستعادة الإنسان الذي ضاع في زحام الهويات الضيقة، لكي لا يبقى العراق بلداً بلا ضفاف تحتضن أحلام أبنائه الكبرى.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
الحلبوسي يرفع مطالب الوزارات السنية.. والإعمار يستهدف خمس حقائب
حادث مروري مروع في ميسان والضحايا 12 شخصا
ما هو شرط ترامب لإنهاء الحرب على إيران؟