بغداد/المسلة:
مازن صاحب
بعد أول خطاب للمرشد الإيراني الأعلى الثالث، تمضي جدلية التاريخ في منعطف جديد، ربما يجعل حرب الخليج الثالثة تحمل في رياحها شبح هزيمة فيتنام جديدة..!!
سؤال: كيف ولماذا؟
هذه الحرب ليست مجرد صراع عسكري محدود، بل تتحول يوما بعد اخر إلى صراع استنزاف استراتيجي يتضمن اختبارا شاملا لقدرة الولايات المتحدة على إدارة صراع طويل ومعقد، وفي الوقت ذاته اختبارا لصمود إيران وقدرتها على تحويل التهديد العسكري الوارد في خطاب مرشدها الجديد إلى أداة استراتيجية لإعادة ترتيب نفوذها الإقليمي.. لذلك يظهر شبح ((حرب فيتنام)) في معادلة الكلفة والمنفعة والصلابة في حرب الاستنزاف.. وفق هذه المدخلات تبدو المخرجات المرجحة في الآتي:
أولاً: أعادت واشنطن، بعد الانسحاب من فيتنام عام 1975، تموضعها الاستراتيجي في الشرق الأوسط تحت عنوانين أساسيين: حماية إمدادات الطاقة العالمية بأسعار مستقرة، وضمان أمن إسرائيل بوصفه ركنا ثابتا في سياساتها الإقليمية. غير أن الحرب الحالية أظهرت بقوة أن هذين الهدفين قد يكونان خارج السيطرة، بعدما دمرت العمليات العسكرية الحديثة مفاهيم قواعد الاشتباك التقليدية، وانتقلت المعركة إلى صواريخ دقيقة وطائرات مسيرة وحرب استنزاف طويلة تتجاوز توقعات التخطيط الأمريكي لنموذج الحرب الشبكية متعددة الأدوات.
ثانياً: هناك فجوة واضحة بين الأهداف الاستراتيجية المعلنة ومسارات الحرب الفعلية. تتجلى هذه الفجوة في سوء فهم طبيعة الخصم وقدرته على التكيف مع الضغوط الطويلة. فقد أخطأت واشنطن في تقدير تعقيدات المجتمع الإيراني بعد أكثر من أربعة عقود من العقوبات الأمريكية، وربما تجد نفسها أمام صعوبة مماثلة في إعادة صياغة الاتفاقات الإبراهيمية أو مشروع الشرق الأوسط الجديد. وفي الوقت نفسه يتحمل دافعو الضرائب الأمريكيون كلفة هذا الصراع، بعدما بدأت تأثيرات الحرب تظهر في اضطراب سلاسل توريد النفط وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، وهو ما ينعكس على أسعار السلع والخدمات داخل الاقتصاد الأمريكي.
ثالثاً: على الرغم من الخطابات الدينية المتشددة التي تقدم أحيانا بتفسير صهيوني للحرب أو بتفسير مذهبي إسلامي يربط الأحداث بظهور الإمام المهدي المنتظر، فإن الواقع السياسي مختلف تماما. ما يجري في جوهره ليس حربا عقائدية كبرى، بل صراع مصالح دولية وإقليمية على النفوذ والطاقة والخرائط الجيوسياسية الجديدة ، بما يعيد إنتاج ترتيبات تشبه اتفاق سايكس بيكو، ولكن بصيغة القرن الحادي والعشرين. هذا يرجح حقيقة أن الحروب الحديثة ليس مقياسها التفوق العسكري فقط، بل القدرة على تحمل كلفة الاستنزاف الطويلة والمرونة السياسية في إدارة النتائج.
رابعاً: لا يميل الرأي العام في الولايات المتحدة إلى الصمت طويلا أمام ارتفاع أسعار الطاقة أو تكاليف الحروب الخارجية، ما يخلق ضغطا سياسيا على الرئيس والحزب الجمهوري. أما في إيران، فقد اعتاد المجتمع التكيف مع العقوبات الاقتصادية، والضغوط المعروفة عن نظام الحرس الثوري والباسيج وما جري من قتل اكثر من قتل ثلاث الاف متظاهري مؤخرا. نموذجا على قدرات الحرس في الإمساك بالشارع بعنوان عريض ان من يتظاهرون مجرد عملاء للموساد والمخابرات الأمريكية… مما يضعف احتمالية انفجار انتفاضة شعبية واسعة كما روجت بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي. حتى بعض أحزاب المعارضة الإيرانية، بما فيها القوى الكردية المعارضة، لم تبد استعدادا لفتح جبهة حرب أهلية ضد الحرس الثوري أو نظام ولاية الفقيه، على خلاف ما حدث في تجارب سابقة مثل الربيع العربي أو مؤتمر لندن للمعارضة العراقية قبل عام 2003 وما نتج عنه في احتلال العراق!!!
خامساً: هناك مفارقة لافتة في كلفة الحرب الحديثة تقلق الميزان العسكري التقليدي. فثمن الطائرة المسيّرة الإيرانية لا يتجاوز في كثير من الحالات نحو 35 ألف دولار، بينما قد تصل كلفة الصاروخ الاعتراضي الأمريكي المستخدم لإسقاطها إلى ربع مليون دولار أو أكثر. هذه الفجوة تجعل الحرب الاستنزافية طويلة الأمد مكلفة جدا للطرف الذي يستخدم أنظمة باهظة الثمن لمواجهة أسلحة منخفضة التكلفة، ما دفع التقديرات إلى الحديث عن إنفاق أمريكي قد يقترب من مليار دولار يوميا أو أكثر مقابل خسائر إيرانية أقل من 100 مليون دولار.
سادساً: في سيناريوهات وقف إطلاق النار، قد يسعى الرئيس الأمريكي إلى إعلان تحقيق أهدافه، حتى لو لم تتضمن النتائج تفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل.. أو إنهاء قدرات إنتاج الصواريخ الباليستية، فضلا عن استمرار النفوذ الإيراني الإقليمي عبر شبكات حلفاء فيلق القدس للحرس الثوري .
في المقابل.. قد ترفض إيران قبول وقف إطلاق النار وتواصل الضغط على المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط أو استهداف إسرائيل.
إن صعوبة قبول واشنطن لهزيمة واضحة قد تدفعها إلى تصعيد عسكري واسع عبر استخدام تقنيات متقدمة مثل الأنظمة المدعومة بالذكاء الصناعي أو الأسلحة الكهرومغناطيسية لتعطيل البنى الإلكترونية، ومنها تعطيل شبكات الكهرباء والماء، إضافة إلى قنابل الأعماق لتدمير المنشآت النووية تحت الأرض. وقد تمتد الضربات إلى مواقع مرتبطة بأذرع إيران في العراق أو المنطقة في محاولة لفرض (معادلة ردع) واسعة قبل إعلان انتهاء العمليات العسكرية. هنا تبرز احتمالات تدخل روسيا والصين لإجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات النووية ضمن توازنات دولية جديدة تشارك فيها موسكو وبكين بفاعلية أكبر.. مقابل تنازلات أمريكية غير مسبوقة!!!
سابعاً: عربيا قد يعود إلى الواجهة قول الرئيس المصري الراحل حسني مبارك: ((المتغطي بأمريكا عريان)) ، في التحذير من الاعتماد المطلق على قوة خارجية دون استراتيجية توازن محلية.
هذا قد يدفع دول الخليج العربي إلى البحث عن بدائل دولية وتعزيز شراكات مع روسيا والصين والاتحاد الأوروبي.. بهدف خلق توازنات أمنية واستراتيجية أكثر استقرارا في المنطقة، وهو مؤشر على تكرار (شبح فيتنام) بنموذج خليجي يختلف في الأنماط عن تلك الحشود التي تلاحق طائرات الهروب.. ولكنه يتفق في قراءة الهزيمة الاستراتيجية.
ثامناً: في أي سيناريوهات عراقية متوقعة، قد تصبح نتائج هذه الحرب فرصة استراتيجية لإعادة ترتيب التوازنات الداخلية مع احتمالات مفتوحة أن تتحول إلى صراع دموي واسع. يفرض سلطة طرف واحد على كل فرقاء العملية السياسية..
في حالة الحل السلمي.. يرحج ان يدفع الضغط العسكري والسياسي على الأحزاب والقوى السياسية إلى إعادة ترتيب التحالفات والتفاوض حول توزيع المناصب بنموذج جديد. كما قد تجبر الضغوط بعض الفصائل الموالية لإيران على التكيف مع قواعد جديدة أو دمجها ضمن مؤسسات الدولة الرسمية… على وفق نتائج هذه الحرب.
من جهة أخرى قد تستفيد روسيا والصين من الحرب للضغط على العراق لإشراكهما ضمن صفقات اقتصادية وأمنية تضمن لهما نفوذا مباشرا… حتى بصيغة قواعد او تسهيلات عسكرية.
على خط مواز.. قد تعيد الحرب رسم خطوط النفوذ الإقليمي داخل العراق وتحدد مناطق نفوذ أمريكية على الأكثر في كردستان وإيرانية بشكل أوضح في الوسط والجنوب ، مع خلق مناطق توافقية بين القوى المتصارعة.في العاصمة بغداد . . في تطبيق جديد للصوملة بعد الحرب الأهلية الصومالية.
النتيجة المحتملة أن يتحول العراق من مجرد ساحة صراع مفتوحة إلى دويلات لكل منها سيطرة مركزية جزئيا، مع توازنات جديدة بين الداخل العراقي والقوى الإقليمية والدولية.. تحت عنوان عريض للسلطة الاتحادية الفاقدة للقدرة على فرض سيادة القانون وحصر العنف والسلاح بيدها!!!
وفق ما تقدم يلوح ((شبح فيتنام)) في أفق هذه الحرب، غير أن العناد السياسي عند الرئيس ترامب في إدارة الصراع بما يعالج ((الشر الإيراني)) قد يجعل كلفة إيقافها أعلى بكثير مما جاء في خطاب للمرشد الإيراني الأعلى الجديد، وربما يكون اكبر مما يتوقعه الجميع… يبقى من القول: لله في خلقه شؤون.!!
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
ترامب يعلن رفع الحصار البحري عن ايران
نقطة الصفر لتحرير العراق من هرمز .. تقترب
لبنان والمفاوضات العرجاء