بغداد/المسلة: بعد عقدين تقريبًا من التجارب المتعاقبة، يبدو العراق كمن يعيد فتح الملف نفسه بأسماء جديدة وأختام أكثر، فيما يبقى السؤال القديم على حاله: هل تكفي المجالس واللجان لمواجهة فساد تمدّد داخل الدولة أم أن ما ينقص المشهد هو الإرادة السياسية الصلبة قبل أي هيكل إداري جديد؟
المشهد العام
منذ 2005، تنقلت الحكومات العراقية بين صيغ متعددة لمكافحة الفساد: مجلس في عهد نوري المالكي، ثم مجلس أعلى في عهد حيدر العبادي، وإحياءٌ للملف في عهد عادل عبد المهدي، ثم لجنة اشتهرت باسم “أبو رغيف” في عهد مصطفى الكاظمي، وصولًا اليوم إلى “المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام” الذي وجّه رئيس الوزراء علي الزيدي بتشكيله برئاسته.
هذه الصيغ، رغم اختلاف أسمائها ودوائرها، التقت عند نتيجة شبه ثابتة: ملفات الفساد الكبرى لم تختفِ، والهدر المالي لم يتوقف، والشارع العراقي ظل يراقب بشيء من الإرهاق أكثر مما يراقب بالأمل.
بين النص والواقع
تجارب السنوات الماضية أظهرت أن أزمة الفساد في العراق ليست أزمة لجان بقدر ما هي أزمة منظومة؛ فالمعضلة، كما تشير قراءات قانونية وسياسية متعددة، ترتبط بضعف الإرادة المستقرة، وبثغرات في البنية القانونية، وبشبكات حماية نافذة قادرة على تعطيل المسار أو تفريغه من مضمونه.
وفي هذه النقطة تحديدًا، يبرز الجدل القانوني حول أي كيان رقابي أعلى يتجاوز التقاطعات التقليدية بين مجلس الوزراء وهيئات الرقابة والتدقيق، لأن الحكومة تملك أصلًا صلاحيات واسعة في متابعة الوزارات والعقود وملاحقة الهدر داخل الجهاز التنفيذي، بينما قد يثير إنشاء جسم جديد أسئلة عن السند التشريعي وحدود الاختصاص.
دلالات القرار
المجلس الجديد، وفق ما نشرته وسائل إعلام عربية ودولية، سيعمل تحت رئاسة رئيس الوزراء نفسه، مع صلاحيات لمتابعة الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة والمحافظات في الملفات ذات الأثر المالي الكبير، وإحالة النتائج إلى القضاء مباشرة.
لكن الرهان هنا لا يتعلق فقط بالهيكلة، بل بقدرة الدولة على الانتقال من رد الفعل إلى المنع المسبق، ومن مطاردة الفساد بعد وقوعه إلى تحصين العقود والإنفاق قبل الانفجار.
ردود الأفعال
في فضاء التواصل الاجتماعي، ظهرت قراءات متباينة تميل في مجملها إلى الحذر؛ إذ اعتبر أستاذ القانون نديم الجابري أن المبادرة تمثل محاولة لمكافحة الفساد، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى جملة ملاحظات عليها، ما يعكس تشككًا مبكرًا في قدرة التشكيل الجديد على تجاوز سابقيه.
كما ربطت منشورات أخرى على المنصة الخطوة بسلسلة المجالس السابقة، في إشارة إلى أن العراقيين باتوا يتابعون هذه القرارات بوصفها حلقات متكررة في قصة واحدة أكثر من كونها تحولات نوعية حاسمة.
وعلى فيسبوك، انتقلت الأخبار بسرعة عبر حسابات ومواقع محلية، مع عناوين ركزت على أن المجلس الجديد يهدف إلى إيقاف هدر المال العام وإعادة الأموال المستردة، غير أن التفاعل العام بقي أقرب إلى الانتظار المشوب بالشك من الاحتفاء.
الجدل العراقي حول الفساد ليس جديدًا ولا معزولًا عن السياق الدولي؛ فملفات سابقة، من احتجاجات 2015 إلى فضائح “سرقة القرن” وما تلاها، رسخت انطباعًا بأن الفساد في العراق ليس خللًا إداريًا عابرًا بل بنية متشابكة تحتمي بالسياسة وتستقوي بالتعقيد القانوني.
ولهذا، تبدو أي خطوة جديدة محكومة بسؤالين متلازمين: هل تملك أدوات التنفيذ أم تملك لغة الإعلان فقط؟ وهل تستطيع ملامسة شبكات المصالح المتغلغلة أم ستظل تدور في الحلقة التي أنهكت العراقيين منذ سنوات؟
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
كتائب حزب الله: فصائل المقاومة الخمسة لا تعتزم تسليم سلاحها
النجف تستقبل ملايين الزوار لإحياء عيد الغدير
امين حزب الله يدعو المسؤولين لإيقاف مهزلة المفاوضات المباشرة مع إسرائيل