المسلة

المسلة الحدث كما حدث

سقطة الرهان الإسرائيلي على ترامب

سقطة الرهان الإسرائيلي على ترامب

17 يونيو، 2026

بغداد/المسلة:

بين مصالح واشنطن وحسابات تل أبيب: سقطة الرهان الإسرائيلي على ترامب

طالب الشوكة

لقد خُدعنا.. هذا هو لسان حال المسؤولين الإسرائيليين في الأوساط العسكرية والأمنية بعد الإعلان المفاجئ من قِبل دونالد ترامب بشأن التوصل إلى مذكرة تفاهم تنهي المواجهة العسكرية مع طهران. هذا التحول الدراماتيكي أحدث صدمة وارتباكاً واسعاً في تل أبيب، وكشف عن فجوة عميقة ومتسعت بين الطموحات الإسرائيلية والمصالح الأمريكية الإستراتيجية.

إن هذا الاتفاق يعني، من الناحية الفعلية، انهيار إستراتيجية “الحسم العسكري” التي تبناها بنيامين نتنياهو للقضاء على التهديد الإيراني، والتي كانت تراهن على انخراط أمريكي مباشر في مواجهة تقضي على الطموحات النووية والنفطية لطهران.

لقد بددت التفاهمات الحالية هذه الآمال، ومن المؤكد أنها ستلقي بظلالها القاتمة على مستقبل نتنياهو السياسي محلياً ودولياً؛ خاصة وأن هذا التحول يأتي في توقيت بالغ الحساسية، بينما يستعد لخوض الانتخابات العامة في تشرين الأول 2026، مما يظهره بمظهر الفاشل في تحقيق النصر على إيران، ومن فُرضت عليه الشروط الأمريكية قسراً.

بهذه الخطوة، قُضي على ما كان يُسمى بـ “التحالف الذهبي” وعلاقة نتنياهو الخاصة جداً بترامب، وقدرته المزعومة على التأثير في قرارات البيت الأبيض. وتستشعر إسرائيل اليوم حالة من القلق الوجودي، حيث تعكس بنود الاتفاق إهمالاً أمريكياً كاملاً لخطوطها الحمراء، واقتصاراً على رعاية المصالح الاقتصادية لواشنطن.

ثلاثية المخاوف الإسرائيلية الإستراتيجية:

أولاً: الخوف النووي وشرعنة “دولة العتبة”:

إن الصدمة الحقيقية في تل أبيب لا تنبع من مجرد إبرام تفاهمات، بل من اضطرار إسرائيل لابتلاع حقيقة أن واشنطن شرعنت، وبشكل غير مباشر، تحول إيران إلى “دولة عتبة نووية”.

بالنسبة للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، فإن هذا الاتفاق يمثل كابوساً ممتداً؛ فهو لا يفكك البنية التحتية للمنشآت الإيرانية ولا يسحب اليورانيوم المخصب، بل يكتفي بوضع “عدادات مراقبة” فوق قنبلة موقوتة. وتخشى تل أبيب أن هذا الغطاء الدبلوماسي سيمنح طهران الوقت والشرعية لتحصين منشآتها تحت الأرض، لتصبح في النهاية على بعد “كبسة زر” واحدة من السلاح النووي، دون أن تمتلك إسرائيل الذريعة الدولية لضربها.

ثانياً: الخوف الإقليمي وتمويل “حزام النار”:

وفي العمق الإستراتيجي، ترى الدوائر العسكرية الإسرائيلية أن رفع الحصار الجزئي وتدفق الأموال المجمدة إلى خزائن طهران ليس شأناً اقتصادياً، بل هو تمويل مباشر لـ “حزام النار” المحيط بها. الخوف الإسرائيلي الأكبر يتجسد في تحول هذه المليارات فوراً إلى ترسانة عسكرية ضخمة تغذي خطوط الإمداد لحلفاء طهران في لبنان، وسوريا، واليمن، والعراق.

إن انتعاش الاقتصاد الإيراني يعني بالضرورة تزايد تدفق الصواريخ الدقيقة والمسيرات الانقضاضية إلى حدود إسرائيل، مما يعني أن واشنطن، ومن حيث تريد تأمين مصالحها النفطية والمائية، قد أسهمت في ترسيخ طوق عسكري خانق يقوض نظرية الأمن الإسرائيلي من أساسها.

ثالثاً: مخاوف الشلل العملياتي وتكبيل أيدي الجيش:

أما أخطر المخاوف العملياتية، فتتمثل في “تأميم حرية الحركة” للجيش الإسرائيلي في المنطقة. فالاتفاق الأمريكي-الإيراني يفرض قيداً قسرياً غير معلن على سلاح الجو الإسرائيلي؛ إذ تخشى تل أبيب أن أي ضربة استباقية أو اغتيال تنفذه في دمشق أو بيروت سيُترجم في البيت الأبيض كـ “تمرد وتخريب متعمد” للمصالح الأمريكية العليا. هذا الشلل الإستراتيجي يجرّد إسرائيل من أقوى أسلحتها وهو “الردع الاستباقي”، ويجبرها على الانكفاء داخل حدودها في حالة دفاعية قلقة، خوفاً من إغضاب واشنطن.

أمام هذا الواقع الجديد، تجد إسرائيل نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ:

الخيار الأول: محاولة امتصاص الصدمة وحفظ ماء الوجه عبر إظهار أن التنسيق مع واشنطن لا يزال قائماً، لتجنب الدخول في مواجهة علنية مع ترامب قد تخسره مؤيديه في الداخل الإسرائيلي.

الخيار الثاني: فرض خطوط حمراء منفردة (تتعلق بالتخصيب، وقيود الصواريخ، وإيقاف دعم الوكلاء)، والمراهنة على فشل الاتفاق عبر افتراض أن طهران “ستخرق التعهدات” أو تماطل، مع استعداد الأجهزة الأمنية الإسرائيلية لاحتمالية استئناف التصعيد العسكري بشكل منفرد إذا لم تُلبَّ شروطها.، يبعث هذا الاتفاق برسالة واضحة لإسرائيل: إن الولايات المتحدة قررت وضع حد لكلفة الحروب المفتوحة والتركيز على مصالحها الجيوسياسية الاقتصادية، تاركةً حليفتها الإستراتيجية أمام واقع قسري تضطر فيه إما إلى التكيف مع وجود إيران كـ “دولة عتبة نووية” قوية اقتصادياً، أو المخاطرة بشن حرب منفردة ودون غطاء أمريكي كامل.


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author