بغداد/المسلة:
عدي مهدي عوده
لم تعد قصص الفساد المالي وتهريب الأموال العامة في العراق مجرد أرقام جافة تطالعنا بها التقارير الدولية، بل تحولت إلى مشهديات سريالية تتجاوز حدود الخيال. وفي أحدث فصول هذه الكوميديا السوداء، هزت الأوساط العراقية أنباء إقدام زوجة وكيل وزير النفط العراقي السابق (المعتقل حالياً بتهم الفساد) على إحراق ملايين الدولارات النقدية داخل “تنور طين” في مزرعة تابعة للعائلة بمحافظة صلاح الدين، وذلك قبيل وصول القوات الأمنية المكلّفة بتفتيش المكان ومصادرة الأدلة.
هذه الحادثة، التي تبدو وكأنها لقطة من فيلم سينمائي، تختزل في طياتها المأساة العراقية المعاصرة؛ حيث تتحول ثروات بلد يطفو على بحار من النفط إلى رماد تذروه الرياح، فقط لإخفاء معالم الجريمة وحماية الفاسدين من المقصلة.
تأتي عملية إحراق هذه المبالغ الضخمة، والتي قُدّرت بنحو 5 ملايين دولار، بأوامر مباشرة من أطراف شبكة الفساد المحيطة بالمسؤول السجين، كخيار شمشوني (“عليّ وعلى أعدائي”) لقطع الطريق أمام جهات التحقيق التي بدأت تضيق الخناق على الأموال المنهوبة.
ويرى مراقبون للشأن العراقي أن إحراق العملة الصعبة بهذا الدم البارد ليس مجرد محاولة لطمس معالم الجريمة الموجهة ضد المسؤول الموقوف، بل هو دليل قاطع على حجم الهلع الذي يعتري شبكات الفساد الإداري والمالي مع تزايد ضغوط الملاحقة القضائية، فضلاً عن كونه اعترافاً ضمنياً ومادياً بصحة التهم المنسوبة.
تثير هذه الواقعة موجة عارمة من السخط الشعبي بالنظر إلى المفارقة الصارخة التي تعيشها البلاد؛ ففي الوقت الذي تكافح فيه مئات الآلاف من العوائل العراقية لتأمين قوت يومها، وتغرق مدن كاملة في غياب الخدمات الأساسية والبنى التحتية المتهالكة، يمتلك مسؤولون وعائلاتهم فائضاً نقداً هائلاً يُباد بلمحة عين لمجرد الإفلات من العقاب.
إن إحراق ملايين الدولارات من أموال الشعب العراقي لا يمثل فقط جريمة تخريب واختلاس، بل يرقى إلى مرتبة الخيانة العظمى للاقتصاد الوطني، حيث تُحرم الخزينة العامة من استرداد قوت المواطنين ليتحول إلى وقود للنيران.
تضع هذه الحادثة الخطيرة الأجهزة الرقابية والقضائية، وعلى رأسها هيئة النزاهة، أمام تحدٍّ متجدد لا يقتصر على معاقبة الشخوص، بل يتعداه إلى تتبع الأصول المخفية. فإذا كان “التنور” قد التهم الملايين في هذه المزرعة، فكم من الملايين والمليارات ما زالت مخبأة في ملاذات أخرى، أو جرى تهريبها عبر قنوات غسيل الأموال المعقدة؟
يطالب الشارع العراقي اليوم بألا تمر هذه الحادثة كسابقاتها، وبأن تشمل العقوبات القضائية كل من ساهم في إتلاف، إخفاء، أو تدوير المال العام، ليكون هذا الرماد بداية لسياسة أكثر حزماً في ملاحقة الحيتان الكبيرة وتجفيف منابع ثرواتهم غير المشروعة.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
خلية الإعلام الأمني: مراسم تشييع الشهيد السيد الخامنئي لن تُقام في بغداد
تشييع الشهيد الخامنئي سيقام في كربلاء والنجف.. وتوقعات بمشاركة مليونية
الأمن الوطني يطيح بشبكات الغش وتدليس في النجف