المسلة

المسلة الحدث كما حدث

إيران قنفذ وترامب ثعلب

إيران قنفذ وترامب ثعلب

2 غشت، 2026

بغداد/المسلة:

ولتر راسل ميد

المنطق السائد يفترض أن طهران تنتصر.. لكن لا تكن واثقاً جداً من هذه القناعة.
لم يكتَفِ الرئيس ترامب بالادعاء بأنه أنهى عدة حروب في ولايته الثانية، بل يمكنه الآن – بعد التوقف الحالي في سلسلة الضربات العسكرية الأمريكية ضد إيران – أن يزعم أنه أنهى حرباً واحدة ثلاث مرات على الأقل.

لم يسبق قط أن شهدنا شيئاً كهذا. كما لم يسبق أن شهدنا مثل هذه المناورات العسكرية المتبادلة في حرب أمريكية-إيرانية تشتعل وتخمد ثم تشتعل مجدداً. فعلى سبيل المثال، وبينما كانت القوات الأمريكية تضرب أهدافاً في أرجاء إيران وسط تحذيرات شديدة اللهجة، توقفت القصف فجأة وأشارت الأنباء إلى أن الضربات العسكرية العنيفة استُبعدت من الطاولة، على الأقل في الوقت الراهن.

الدبلوماسية الضبابية و”وحل الحرب”
إن الدبلوماسية الأمريكية في الشرق الأوسط لا تقل ضبابية عن حملتها العسكرية. هل ستبيع الولايات المتحدة مقاتلات F-35 لتركيا؟ الإجابة أحياناً نعم، وأحياناً لا. هل ستساعد واشنطن الرياض على بناء برنامج نووي مدني يتيح تخصيب اليورانيوم على أراضيها؟ الإجابة تتغير بين يوم وآخر بناءً على شروط التطبيع وتطورات الأحداث. أما الفوضى الأكبر في الدبلوماسية فتظهر في التعامل مع إيران: ففي الصباح توصف قيادتها بالحثالة التي لا يمكن تثبيت عهد معها، وفي المساء يدور الحديث عن العودة إلى طاولة المفاوضات.

لطالما ألفنا التعبير الشهير “ضباب الحرب” (The Fog of War)، والذي يعني أن الفوضى في ساحة القتال تحجب حقيقة ما يجري. لكن ما نشهده اليوم في الشرق الأوسط يحتاج إلى صياغة تعبير جديد، وهو “وحل الحرب” (The Slop of War)؛ حيث تمتزج الدبلوماسية الخادعة والمناورات العسكرية المضللة في مستنقع لطين يحجب الرؤية تماماً عما يدور في الكواليس.

جزء من هذا التعتيم متعمد من الجانبين. فالغموض وإثارة الدراما جزء لا يتجزأ من أسلوب ترامب في عقد الصفقات منذ عقود، حيث يرى أن التضليل مفتاح النجاح. كما أن ترامب يطمح لتحقيق أهداف استراتيجية كبيرة بأقل تكلفة ممكنة، مما يدفعه لتكرار التهديدات، ثم التراجعات التكتيكية، بينما يواصل السير نحو غاياته الأساسية. وفي المقابل، لا تقل الدبلوماسية الإيرانية غموضاً؛ إذ ظلت واشنطن لسنوات علِقة بين الوعود المرنة للمعتدلين الإيرانيين والقرارات الصارمة للمتشددين.

قراءة واقع الميدان
في مثل هذه المواقف المربكة، ينبغي ألا نلتفت كثيراً للتصريحات اليومية والمناورات المؤقتة، بل يجب تركيز الانتباه على الوقائع الميدانية التي تُحدد الخيارات المتاحة للطرفين:

بالنسبة لإيران:
1. النجاة من الإسقاط: تمكن النظام الإيراني (حتى الآن) من الصمود وتجاوز محاولات الإسقاط السريع، بفضل إحكام قبضته الأمنية القمعية في الداخل.

2. حدود القوة الجوية: أثبتت المعطيات أن الحملة الجوية الأمريكية، رغم كثافتها، لا تكفي وحدها لإسقاط نظام يسيطر بصرامة على الأرض، في ظل عدم استعداد واشنطن لشن غزو بري مكلف.

3. أوراق الضغط الإقليمية: أثبت الإيرانيون قدرتهم على استخدام أسئلة الصواريخ والمسيرات لتهديد القواعد الأمريكية، وإغلاق خطوط الملاحة في هرمز، واستهداف البنية التحتية للطاقة وتحلية المياه لدى دول الجوار.
لهذه الأسباب، يعتقد الكثيرون في طهران أنهم يكسبون الحرب ولن يقدموا لترامب مخرجاً سهلاً يحفظ ماء وجهه.

لكن الصورة ليست وردية لإيران كما تبدو:
خسارة المعارك الخارجية: إيران تُحارب اليوم على سواحل الخليج فقط لأنها فقدت القدرة على خوض المعارك في العمق الإقليمي (غزة، لبنان، سوريا، والعراق) بعد تآكل وانهيار شبكات حلفائها ووكلائها الذين استثمرت فيهم لعقود.

الإنهاك الاقتصادي: صحيح أنه لا توجد احتجاجات عارمة تسقط النظام حالياً، لكن من المستحيل على إيران البقاء كدولة ومجتمع إلى ما لا نهاية تحت وطأة الخنق والاقتصاد المتهالك والعزلة التي تفرضها العقوبات الأمريكية.

أما بالنسبة لترامب:
إن موقفه ليس بالسوء الذي يروجه الكثيرون. لقد أظهر ترامب براعة في المناورة، مستخدماً مزيجاً من الدبلوماسية غير التقليدية والمرونة التكتيكية لإدارة حملة ممتدة ضد إيران دون التسبب في أزمة اقتصادية عالمية. والتراجع أو تعليق الضربات ليس انتكاسة أو هزيمة، بل مجرد خطوة تكتيكية ضمن استراتيجية طويلة الأمد.

الخلاصة: القنفذ والثعلب
يستحضر المقال التشبيه الفلسفي الشهير: “الثعلب يعرف أشياء كثيرة، أما القنفذ فيعرف شيئاً واحداً كبيراً”.

إيران هي القنفذ: عندما تتعرض للهجوم، لا تملك إلا حيلة واحدة تتقنها؛ تتكور على نفسها، وتبرز شوكها (تهديد هرمز، إطلاق الصواريخ، واستعراض الصمود).

ترامب هو الثعلب: ماكر، مراوغ، يمتلك حيلاً ووسائل متعددة ويناور باستمرار، ومن المستبعد جداً أن يرفع الثعلب راية الاستسلام قبل أن يستنفد كل حيلة في جعبته.

النتيجة: إيران تحسن لعبة واحدة، بينما ترامب يتلاعب بالخيارات. وفوضى ترامب الظاهرة ليست غباءً بل مناورة مرنة، ولذا فإن فرص الثعلب في حسم المعركة والوصول إلى أهدافه في النهاية تبقى أكبر بكثير من فرص القنفذ.

 


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author