المسلة

المسلة الحدث كما حدث

تقاطعات السيادة ومعضلة الشيعة

تقاطعات السيادة ومعضلة الشيعة

20 غشت، 2026

بغداد/المسلة:

رياض الفرطوسي

تثير المقارنة بين قدرة الدولة العراقية في ثمانينيات القرن الماضي على خوض حرب استمرت ثماني سنوات ضدالجمهورية الإسلامية الإيرانية بحشود كان عمادها الديموغرافي من الشيعة، وبين العجز الحالي عن اتخاذ موقفموحد أو حاسم تجاه أي مساس خارجي بالسيادة أو الأرواح العراقية، تساؤلات عميقة حول طبيعة السلطة، وصناعةالولاء، والتحولات الكبرى في الهوية المذهبية والسياسية للعراق. يكمن مفتاح فهم هذا التباين الشاسع في الانتقالمن مفهوم “الدولة الشمولية الصارمة” إلى واقع “المكونات الموزعة”، وهي المفارقة التي تشغل بال المحللينالسياسيين والمؤرخين الذين درسوا السوسيولوجيا السياسية للعراق المعاصر.

إن التفسير الشائع الذي يعزو خوض الشيعة لحرب الثماني سنوات تحت قيادة نظام صدام حسين إلى “عقليةالقطيع” أو “الخوف المحض” يغفل جانباً بنيوياً مهماً ركزت عليه الدراسات الغربية والعربية الرصينة. النظام السابقلم يكن يستند إلى البطش العسكري فحسب، بل كان يمتلك أدوات “الدولة الحديثة الشمولية” التي احتكرت الهويةالوطنية وعرّفتها صراحةً بـ”العروبة وحماية البوابة الشرقية”. في تلك الحقبة، نجحت الدولة في صهر التناقضاتالمذهبية داخل بوتقة القومية، ولم تكن المواجهة تُطرح باعتبارها صراعاً مذهبياً، بل صراعاً عربياًفارسياً، وهيالسردية التي استجابت لها قطاعات واسعة مدفوعة بحس وطني تقليدي، أو برغبة في البقاء داخل إطار القانونالصارم الذي كان يرى في أي تردد خيانة عظمى. في ذلك الوقت، لم تكن المرجعية الدينية في النجف، بزعامة السيدأبي القاسم الخوئي، تميل إلى العمل السياسي المباشر أو الصدام التأسيسي مع الدولة، بل حافظت على فلسفتهاالتقليدية القائمة على حماية الحوزة وكيان الطائفة من الفناء وسط أمواج القومية العاتية، مما ترك الساحة الفكريةوالسياسية بالكامل لسيطرة ماكينة الدولة الأيديولوجية.

بالمقابل، فإن المشهد الحالي المحكوم بفلسفة “الحاكمية الشيعية السياسية” المقترنة بنظام المحاصصة يعانيمن أزمة بنيوية مغايرة تماماً. حين انتقلت السلطة إلى المكون الشيعي بعد عام 2003، لم تنتقل إلى دولة مركزيةقوية، بل إلى قوى سياسية متعددة ومتنافسة تعيد إنتاج شرعيتها من خلال التمثيل الطائفي والمحاور الإقليمية. الاستعصاء الحالي عن الرد على أي خرق خارجي، أو الانقسام الحاد الذي يشهده الشارع العراقي بمجرد التلميحبالاصطدام مع قوة إقليمية مثل السعودية، يعود إلى أن الشيعية السياسية تعيش اليوم مأزقاً بين جغرافيتينوعقيدتين: جغرافية العروبة والاندماج الاقتصادي مع المحيط الخليجي، وعقيدة الانتماء العابر للحدود للمحورالإقليمي الذي تقوده إيران.

لذا، فإن أي قرار بالاصطدام بالسعودية لا يُنظر إليه في بغداد كإجراء سيادي لدولة موحدة، بل كقرار ينحاز لمحورضد آخر، مما يفجر فوراً التناقضات الداخلية. الانقسام الحاد لا يحدث بين الشيعة والسنة فحسب، بل يضرب عمقالمكون الشيعي نفسه؛ حيث يتنازع تياران أساسيان: تيار يرى في الدولة العراقية امتداداً لمشروع المواجهة والردعالإقليمي وبالتالي وجوب التصدي لخصومه، وتيار آخر تؤكّد توجهاته على كبح جماح الفصائل، وحصر السلاح بيدالدولة، والابتعاد عن سياسة المحاور لحماية السلم الأهلي ووحدة البلاد.

إن الخوف من الاصطدام الخارجي اليوم ليس خوفاً من الحرب ذاتها، بل هو خوف من انهيار “الحاكمية الشيعية”نفسها من الداخل. فالنظام السياسي الحالي هشّ إلى درجة أن أي مواجهة إقليمية غير محسوبة قد تؤدي إلى اقتتالشيعيشيعي على النفوذ والشرعية، أو تقود إلى عزلة دولية واقتصادية خانقة تنهي تجربة الحكم الحالية برمتها. هكذا يتضح أن قوة النظام الدكتاتوري السابق كانت تنبع من قدرته على فرض هوية وطنية أحادية بالقوة، بينما يكمنضعف الواقع الحالي في عجز القوى الحاكمة عن صياغة مشروع وطني جامع يتجاوز الهويات الفرعية، مما جعلالسيادة العراقية رهينة الحسابات المعقدة لتوازنات القلق الداخلي والإقليمي.


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author