بغداد/المسلة: يشير رصد الميديا ونوافذ التواصل العراقية إلى أن المشهد السياسي والخدمي دخل مرحلة أكثر حساسية، إذ لم يعد الجدل يدور حول ما إذا كانت الحكومة تؤيد حصر السلاح بيد الدولة أو تريد تحسين الخدمات، بل حول قدرتها على تحويل العناوين الكبيرة إلى إجراءات قابلة للقياس. وبينما تبدو حزمة الديوانية فرصة لإنتاج صورة إنجاز ملموس، تفرض ملفات الكهرباء والغاز وحصر السلاح على الحكومة اختباراً مختلفاً يتعلق بالمصداقية والقدرة على ضبط التوقعات.
ويظهر ملف حصر السلاح في مقدمة القضايا الأكثر قابلية للتحول إلى أزمة اتصالية. فالحكومة أعلنت منذ وقت مبكر أن الهدف هو تعزيز سلطة الدولة وإعادة تنظيم العلاقة بين الفصائل والمؤسسات الرسمية، كما باشرت لجنة حكومية وضع آليات لفك الارتباط وتسليم الأسلحة والمعدات والمعسكرات، في وقت أعلنت فيه فصائل مثل عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي خطوات باتجاه الانضواء تحت سلطة الدولة.
لكن التحدي لم يعد في إعلان المبدأ، وإنما في الطريقة التي يجري بها تسويقه وتنفيذه. فقد أظهرت التغطيات أن الملف مرتبط بتوازنات داخلية وضغوط أميركية ومواقف متباينة للفصائل، فيما تحدثت تقارير عن رفض فصائل أخرى تسليم السلاح أو الدخول في المسار ذاته.
وتحمل منصة “إكس” مؤشراً مهماً إلى طبيعة المعركة الاتصالية. فقد نشر المكتب الإعلامي لرئاسة الوزراء في وقت سابق أن حصر السلاح “ينسجم مع الدستور والقانون ويعزز سلطة الدولة”، وهي الرسالة التي تحاول تثبيت الملف باعتباره مشروع دولة لا مواجهة مع طرف بعينه. كما تكررت في الخطاب الحكومي عبارات تتعلق بالسيادة وإمرة القائد العام، بينما رحبت دول الخليج والأردن رسمياً بالخطوة.
وفي المقابل، يعكس النقاش الإعلامي أن أي مشهد تمثيلي أو حملة دعائية مرتبطة بالملف يمكن أن تسحب النقاش من جوهر القرار إلى طريقة عرضه، خصوصاً في بيئة سياسية شديدة الحساسية تجاه صورة الفصائل ومكانتها. ولذلك فإن الدفاع عن الأسلوب الاتصالي قد يكون أكثر كلفة من الدفاع عن المبدأ نفسه، وقد يمنح خصوم الحكومة فرصة لإعادة تعريف القضية باعتبارها صراعاً سياسياً بدلاً من كونها مساراً مؤسسياً.
في الديوانية، تبدو المعادلة أكثر قابلية للتحويل إلى إنجاز. فقد سبق لمحافظ المحافظة عباس الزاملي أن قال إن الديوانية تحتاج إلى نحو تريليون دينار خلال النصف الثاني من 2026 والنصف الأول من 2027 لاستكمال مشاريعها، فيما تبلغ قيمة مشاريع وزارية واستثمارية قائمة نحو تريليوني دينار، مع وجود مشاريع حيوية تجاوز إنجاز بعضها 75 بالمئة لكنها تعاني نقص التمويل.
وهنا تكمن فرصة الحكومة: فالتريليون دينار ليس قصة سياسية مكتملة بحد ذاته، بل مجرد عنوان ما لم يتحول إلى طرق وماء وصرف صحي ومؤسسات صحية ومشاريع قابلة للرؤية. ولذلك فإن الرهان الاتصالي الأكثر فاعلية سيكون في نشر نسب الإنجاز ومراحل الصرف وأسماء المشاريع ومواعيد التسليم، بدلاً من الاكتفاء بتكرار قيمة التخصيص.
وفي وسائل التواصل، ظهر الرقم نفسه بوصفه عنواناً جذاباً للرأي العام، إذ نقلت منصات إخبارية عن لقاءات حكومية تأكيد تخصيص نحو تريليون دينار لمشاريع الوزارات في الديوانية. لكن هذا النوع من التفاعل يمكن أن ينقلب سريعاً إذا لم يلمس المواطن أثراً فعلياً على الأرض، خصوصاً في محافظة راكمت سنوات من مشكلات الخدمات والتعثر والبطالة.
أما الكهرباء، فتدخل منطقة أكثر خطورة من الناحية السياسية. فقد تحدثت وزارة الكهرباء عن دخول محطات غازية جديدة إلى الخدمة في صيف 2027، بينها مشاريع يفترض أن تضيف نحو ألف ميغاواط، فيما كشف نائب عن اشتراط عقد مع شركة “GE” توفير عشرة آلاف ميغاواط من دول المنطقة خلال العام نفسه.
المشكلة هنا ليست في الرقم وحده، وإنما في المسافة بين الوعد والخط الأساسي الذي يعيشه العراقيون. فكل وعد جديد بتحقيق انفراج كهربائي يُقاس تلقائياً بتجربة الصيف، وبعدد ساعات التجهيز، وبقدرة الشبكة على الصمود، وبكلفة الإنتاج والوقود. ولهذا فإن وعد 2027 يحتاج إلى خريطة طريق أكثر من حاجته إلى حملة إعلامية، لأن المواطن لن يحاسب الحكومة على اللغة التي استخدمتها، بل على عدد ساعات الكهرباء التي وصلته.
ويبدو ملف الغاز أكثر حساسية من ذلك، بسبب تعدد المواعيد التي ظهرت في الخطاب الرسمي. فقد أعلن وزير النفط باسم محمد خضير أن إنهاء حرق الغاز سيكون في نهاية 2029، بينما ظهرت تصريحات أخرى تشير إلى نهاية 2028 أو بداية 2029. ([شفق نيوز][6]) وهذا الفارق الزمني، وإن كان قابلاً للتفسير فنياً بحسب مراحل المشاريع، يتحول إعلامياً إلى سؤال عن ثبات الجدول الزمني.
ويحتاج الملف إلى شرح استباقي يوضح المشاريع القائمة، طاقاتها، نسب الإنجاز ومواعيد دخولها الخدمة، لا سيما أن استثمار الغاز يرتبط مباشرة بأمن الكهرباء وتقليص الاعتماد على الاستيراد. ومن دون هذه التفاصيل، يمكن أن يتحول تأجيل الموعد إلى مادة سهلة للمعارضة والانتقاد، حتى لو كان التعديل ناتجاً عن حسابات فنية حقيقية.
وتظهر في الخطاب الرقابي قضية النائب مصطفى سند بوصفها مساراً منفصلاً ينبغي عدم السماح بخلطها مع الموقف العام للكتلة أو الحكومة. فالتصريحات الفردية حول الفساد أو الوفود أو العلاقات الخارجية يمكن أن تنتشر بسرعة في المنصات الرقمية، لكن تحويلها إلى موقف جماعي يحتاج إلى وثائق ومواقف رسمية. وهذه قاعدة تزداد أهميتها في ظل تصاعد الحساسية الشعبية تجاه ملفات المال العام.
كما أن أي خبر عن توقيف مسؤول في قطاع الكهرباء على خلفية تحقيقات نزاهة يجب أن يبقى في إطاره القانوني إلى حين صدور بيان رسمي أو قرار قضائي، لأن تعميم المسؤولية على الوزارة أو القطاع بأكمله قبل اكتمال التحقيق قد يحول إجراءً رقابياً محدوداً إلى أزمة سياسية أوسع.
ومن مجموع هذه الملفات، يبدو أن الحكومة تواجه اختباراً واحداً بأربع واجهات: في السلاح عليها أن تثبت أن القرار مؤسسي لا استعراضي، وفي الديوانية أن تثبت أن التخصيص يتحول إلى إنجاز، وفي الكهرباء أن تجعل وعد 2027 قابلاً للقياس، وفي الغاز أن تفسر بوضوح لماذا أصبح الموعد نهاية 2029 وما الذي سيتحقق قبل ذلك.
وتشير القراءة العامة للمشهد إلى أن أفضل استراتيجية إعلامية في المرحلة المقبلة ليست مضاعفة الخطاب، وإنما تقليصه وربطه بالأرقام والإجراءات. فالمبدأ في حصر السلاح يحظى بتغطية سياسية واسعة، لكن معركة الحكومة الحقيقية ستكون في التنفيذ. والديوانية يمكن أن تصبح نموذجاً إذا قُدمت بوصفها ملف متابعة أسبوعية لا رقماً في بيان. والكهرباء والغاز يمكن أن يتحولا من وعود انتخابية محتملة إلى عقود ومشاريع ومواعيد معلنة يستطيع المواطن محاسبة الحكومة عليها.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
البيشمركة تعود إلى الواجهة… انتشار جديد في مناطق التوتر
غضبٌ خليجيٌّ ينفجر في وجه ترامب وسط فوضى الحرب
النزاهة تضبط قرابة 9 مليارات دينار و7 سبائك ذهبية في منزل وكيل وزير الكهرباء لشؤون النقل