المسلة

المسلة الحدث كما حدث

ايران والعراق على خط الازمة

ايران والعراق على خط الازمة

14 نوفمبر، 2022

بغداد/المسلة:

ابراهيم العبادي

ايران في ازمة خطيرة واوضاعها تثير القلق ،هذه العبارة ليست وليدة قراءة متشائمة للاحداث الجارية هناك منذ ازيد من شهرين ،بل هي استنتاج من طبيعة الاحداث وتطوراتها وردود فعل النخبة الايرانية بمختلف اتجاهاتها الاصلاحية والاصولية فضلا عن تعبيرات الخط المتشدد الذي مازال متمسكا بخطابه وشعاراته واحلامه.

في صورة رمزية معبرة جمعته مع اربعة من اسلافه وزراء الخارجية السابقين ،نشر وزير الخارجية الايراني امير عبداللاهيان تغريدة اراد منها توجيه رسالة الى العالم الخارجي يقول فيها ان الدبلوماسية الايرانية متماسكة وتعمل بانسجام وتستفيد من خبرات وتوجهات الوزراء الذين خدموا في ظروف مختلفة ،لكن مااراد عبداللاهيان ان يخفيه كان الوجوم والقلق وعدم الارتياح الذي عبرت عنه لغة جسد الوزراء بتعبير (علم النفس السياسي)،وهذه النتيجة يلمسها المراقب للاحداث الجارية في ايران ،فالمحصلة تقول ان ايران ليست بخير وانها تعيش اخطر ازمة داخلية منذ تأسيسها ،رغم انها واجهت ازمات خطيرة قبل ذلك ،خصوصا السنوات الاولى من عمر الثورة بدءً من تمردات الاقليات بين الاعوام (1979-1982) الى الحرب المسلحة التي شنتها قوى اليسار (فدائيي خلق ،مجاهدي خلق ،تودة )في السنوات الاربع الاولى من عمر الثورة ،الى الحرب مع نظام صدام 1980-1988،كل ذلك جرى في ظل حصار امريكي وتوتر في علاقات ايران الخارجية وهجوم اعلامي كبير ،ودبلوماسية مرتبكة بسبب انقسام التوجهات والتيارات الداخلية التي تراوحت بين ثورية طائشة وواقعية معتدلة.

الازمة التي تعيشها ايران منذ موت مهسا اميني في 13 ايلول المنصرم ،تنفرد عن الازمات السابقة في كونها قسمت الايرانيين عموديا وصارت تهدد شرعية النظام وتطالب بتغيير سياسي ودستوري ،علاوة على اكتسابها دعم متزايد من الجاليات الايرانية في الخارج (ستة ملايين )وتردي كبير في علاقات ايران مع اوربا.

اسباب كثيرة تبرر القلق من مايجري في ايران ،اولها ان زخم التظاهرات لم يضعف ،وان خيارات استعادة الامن والنظام يخضع لجدل كبير بين النخبة الايرانية ،بين من يدعو الى عدم التراجع والتنازل ويمثل هذا الخط ،الاجهزة العسكرية (الحرس ،الجيش )وبعض رجال الدين المتشددين ،وبين من يدعو الى الاستجابة المعقولة واجراء اصلاحات دستورية وسياسية وانهاء احتكار التيار المتشدد للسلطات ،والتخلي عن منظورات وخطابات تسببت في قطيعة بين اجيال ايران الجديدة وطموحاتهم وقيمهم المعولمة وبين جيل الثورة الاسلامية المتراجع والمنقرض بحسب قانون التعاقب الجيلي.

الاخطر في احداث ايران الراهنة بروز رجل الدين مولوي عبدالحميد امام جمعة زاهدان (من الاقلية البلوشية السنية )الذي صار يقدم نفسه زعيما مطالبا بالتغيير ويستخدم منبر صلاة الجمعة ليقوم بنقد لاذع للسياسات وموجها للجمهور لمواصلة التظاهرات.

انتشار التحريض والدعم الاعلامي والسياسي الخارجي للتظاهرات وجنوح مجموعات نحو العنف صار يزعج السلطات كثيرا خصوصا وان التكتيكات المستخدمة لادامة زخم التظاهر صارت تستعيد ايام الثورة الاسلامية في الاعوام 1977-1978-1979،(تشييع الضحايا ،التجمع في المقابر ،احياء اربعينية الضحايا ،اضرابات المصانع والشركات والنقابات ،التظاهرات داخل الحرم الجامعي ،تحطيم الرموز والصور والتماثيل ،توزيع التظاهرات في مدن كبيرة وصغيرة )وهذه الديناميكية صارت تدفع بالنقاش السياسي الى مديات غير مسبوقة الى حد صار رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وهو احد وجوه الاصوليين المعروفة يعلن انه بعد استعادة الامن في عموم البلاد فان الوقت حان لاجراء الاصلاحات ،فيما يتصاعد الجدل بشدة حول سقوف هذه الاصلاحات ان كانت ستطال الدستور والصلاحيات الممنوحة لمجلس حماية الدستور بل مساحة ولاية الفقيه !؟،

الامر المقطوع به ان ايران تعيش مخاضات كبيرة وانها امام خيارات محدودة ،بين ان تنجح النخبة العقلانية في سوق الاصلاحات نحو استيعاب مطالب المحتجين وطمأنة الاقليات وتوسيع مساحة المشاركة السياسية واعادة النظر في السياسة الخارجية نحو المرونة مع الخارج أو يتغلب الحل الامني وتساق ايران نحو العسكرة وسيطرة منهج القوة والصدام بدعوى عدم التنازل للقوى المدعومة من الغرب والتمسك بالمباديء الثورية لانها المنهج الصائب الوحيد .

كيف ستؤثر احداث ايران على العراق؟

لاشك ان العراق هو البلد الاول الذي يتأثر بما يجري في ايران فهذه واحدة من مسلمات العلاقة بين البلدين منذ مئات السنين ،اوضح مصاديق التأثر ظهرت في عام 1979 عندما انتصرت الثورة الاسلامية فقد ترددت اصداء هذا المتغير في اغلب شوارع العراق ومساجده ليتحول بعدها الى ساحة صراع قادت الى تداعيات ومضاعفات مازالت تتوالى حتى اليوم.

يتخوف عراقيون كثر من انعكاس احداث ايران الراهنة امنيا على شكل هجمات مسلحة على المصالح الغربية في داخل العراق ،ردا على الدعم الغربي للاحتجاجات ،كذلك ستضغط خلايا وقوى عراقية باتجاه منع العراق من الانفتاح السياسي والاقتصادي اقليميا وغربيا ،وقد تتعرض شركات ومستثمرين اجانب للمضايقات لمغادرة العراق وربما تستهدف منشات انتاج وتصدير النفط لهجمات لاحداث المزيد من الاضطراب في اسواق الطاقة بما يتسبب بارتفاع اسعار النفط وليكون ذلك الية ضاغطة للرد على المراهنين على احداث تغيير في سلوك النظام السياسي في ايران او المتشددين المهيمنين على بنية وهرمية السلطة.

في الجهة المقابلة سيشجع اي تقدم للقوى المطالبة بالتغيير في ايران نظيرتها العراقية لتحمل ذات الشعارات وتتحرك بالاتجاه المضاد لقوى الاسلام السياسي لاسيما الشيعي ،بما يثير معركة مفاهيمية وثقافية وسياسية قد تخرج عن السيطرة وتتحول الى صراع مفتوح ،فالمعركة في جوهرها ستكون متعددة الاتجاهات (سياسية وايديولوجية )تطال النظم والافكار والقوانين مالم تجري مراجعات عميقة ويحصل تحديث يلبي مصالح وحاجات الافراد والمجتمعات ضمن موائمة عقلانية بين الدين والدولة والثقافة والمعرفة.


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.