المسلة

المسلة الحدث كما حدث

الثقافة السياسية في العراق

الثقافة السياسية في العراق

12 فبراير، 2024

بغداد/المسلة الحدث:

ابراهيم العبادي

تعاني الثقافة السياسية في العراق من مشكلات متعددة ،من ابرز هذه المشكلات ارتباط هذه الثقافة بالايديولوجيات التي سادت او حكمت او تصارعت في العراق ،ومع ان الثقافة السياسة عنت التوجهات والاعتقادات والمعارف والقيم والسلوكيات التي يعبر عنها افراد المجتمع ازاء النظام السياسي او مجمل القضايا السياسية لكنها في التعريف النهائي تعكس نمط تفكير الفرد واستجاباته النابعة من قيمه التي تشكل دوافعه السياسية ،من حيث التفاعل والمشاركة والرفض والمقاطعة والتأييد والولاء وعدم الولاء.

في سياق تحليل اثر الثقافة السياسية على سلوك الافراد السياسي يمكن تتبع عنصر المشاركة السياسية في شقها العملي (المشاركة في الانتخابات) ،كمؤشر على قيمة من قيم الثقافة السياسية التي تحمل الافراد على التصرف سلبا او ايجابا ، في هذا الصدد يمكن التوجه بسؤال عام الى المواطنين عموما عما تعني لهم عملية التوجه الى صناديق الاقتراع واختيار ممثليهم في البرلمان العام او في مجالس المحافظات لتاتي الاجابات كاشفة عن ذلك ،فقد شهدت نسب المشاركة منذ اول انتخابات حرة اجريت بعد انهيار النظام السابق وحتى اخر انتخابات عامة شهدتها البلاد (عام 2021)،تراجعا مستمرا وجاءت نسبة المشاركة في تلك الانتخابات لتسجل تدنيا ملحوظا اذ بلغت رسميا 41 بالمائة من مجموع الناخبين وقد تكون اقل من ذلك بكثير ،وربما اقتصرت على الجمهور الحزبي وحده ،في سابقة تشير الى تراجع الثقة في الطبقة السياسية وهيمنة الاحباط وعدم المبالاة على الجمهور .يذهب بعض المهتمين الى عد (برود )المواطنين وعدم تفاعلهم مع الانتخابات العامة او المحلية، رغم التسخين والتعبئة التي تمارسها بعض القوى ،الى تعثر المسار الديمقراطي في العراق وكان من علامات ذلك فتور الارادة العامة ونكوص الوعي باهمية نجاح التجربة الديمقراطية والاصرار على تعزيزها ،بل هناك من يذهب الى عد الجدالات والمساجلات الشعبية الداعية الى نظام سياسي صارم يقلص سقف الحريات ويعيد ممارسات الخوف والضبط اليومي وتقليص عدد الاحزاب بانها انتكاسة للديمقراطية وفشل للتنشئة السياسية ايا كانت الاسباب والعوامل التي انتجت هذه الظواهر .يمكن القول بلا مجازفة أن الثقافة السياسية للغالبية الاجتماعية العراقية لم تستوعب المعنى الجوهري للتجربة الديمقراطية سواء لجهة تداول السلطة والمفاضلة بين المشاريع والاتجاهات السياسية وتحكيم الارادة الشعبية وتحقيق التمثيل الصادق للجمهور ولذلك سارع البعض الى نفض ايديهم من الخيار الديمقراطي بسبب تراكمات حقبة الاستبداد ونمط التنشئة بل قل نمط الثقافة السياسية القديمة والحديثة التي تحتفظ بها ذاكرتهم العامة ، هذه الذاكرة مشحونة بنمط الحاكم المستبد القوي الباطش ، والسلطوية العنيفة ، المصحوبة بريعية اقتصادية تمثل اداة الحكم ، في ضبط المجتمع والسيطرة على النزعات المضادة ، ومادامت الديمقراطية لم تترسخ ثقافة عامة ،على مستوى المفاهيم والغايات والفاعلين ،وانها صارت مشوبة بظواهر تقوض اهدافها وتنقض غايتها خصوصا بعدما تكرس حضور المال السياسي والسلاح الى جانب الصراع الحزبي العميق الذي يتجاوز المباديء العامة والحقوق الدستورية ،لذلك من غير المستبعد ان تظل الممارسة الديمقراطية شكلية المظهر فقيرة المحتوى، بل قد تفقد شرعيتها وحضورها حينما تقتصر على جمهور محدود لايمثل الارادة الشعبية.

عند تحليل وتفكيك هذه الحالة التي يشهدها العراق، سنعثر على جل الاسباب في الثقافة السياسية والقيم التي تنتجها ،فهي ثقافة لم تتأسس على وعي متكامل يقطع (من القطيعة ) مع الماضي القريب والبعيد ،ويستفيد من الدرس التاريخي ،بل انها لم تتوافر على نقد منهجي للحقبة السياسية السابقة ،وجاءت المجايلة لتزيد المشكلة تعقيدا بوعي ناقص وتصورات مغلوطة ،فالجيل الجديد الذي لم يعش البطش وخنق الحريات والدموية التسلطية المرعبة، صار يقارن الحاضر بماض تشكله صورة متخيلة غير واقعية عن زمن (الدولة القوية المهابة )وعن القانون والنظام الذي لايمكن تجاوزه ،والمجايلة التي اشير اليها تسجل لنا وعيا معطوبا وثقافة سياسية مشوهة لاتختلف في تشوهاتها عن صورة اجيال العهد الدكتاتوري التي ادمنت القهر والموت والخراب ثم اصبحت الان مصابة (بمتلازمة ستوكهولم) حينما يبدأ الضحية يتعاطف مع جلاده ويدافع عنه في غياب تام للوعي التاريخي وللتوازن المعرفي والعاطفي.

قد لانتفاجيء اذا ماخرج جمع من العراقيين يطالب علنا بنقض الدستور وتغييره لصالح مجيء (المستبد العادل) فالقضية في بعدها النفسي والاخلاقي تشي عن اضطراب قد لايكون معبرا عن نوستالجيا الماضي بقدر ماهو رد فعل على فشل جزء من الطبقة السياسية اخلاقيا قبل ان يكون فشلا في ادارة المال والموارد.

العراقي مسكون بالمثال النزيه والنموذج الاخلاقي ،وثقافته السياسية متمركزة على صورة المثال الذي يحقق العدل الاجتماعي ،وحينما يغيب الرمز العادل والنموذج الاخلاقي فان كل شيء عنده يستحيل الى سواد.


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author