بغداد/المسلة: بين أحجارٍ صامتةٍ تتحدث، وأروقةٍ تنبضُ برائحة الزمن القديم، تعود بابل اليوم من أطلالها لا كأثرٍ في متحف، بل كحاضرةٍ تسعى لتجديد عهدها مع العالم، عبر مشروع وطني متعدد الأطراف لاستعادة مجدها الحضاري وتحويلها إلى أيقونة سياحية عالمية.
وتتجدد الرؤية الرسمية في العراق حول أهمية توظيف الإرث البابلي ليس فقط في خطاب الهوية، بل في صياغة استراتيجية اقتصادية قائمة على السياحة الثقافية، مدفوعة بإرادة سياسية بدأت تستشعر قيمة القوة الناعمة المتاحة في ركام المدن القديمة. فبابل ليست مجرد موقع أثري، بل ورقة دبلوماسية ثقافية قد تسهم في تغيير وجه البلاد الخارجي، وسط تنافس إقليمي محموم على إعادة تدوير الذاكرة التاريخية ضمن صراعات الرمزية والهيمنة الثقافية.
وتنخرط مؤسسات الدولة العراقية، بالتنسيق مع جهات دولية على رأسها منظمة اليونسكو، في مسعى لحماية بابل من التعديات العمرانية، عبر خطاب مزدوج بين رمزية إدراجها ضمن لائحة التراث العالمي، والتحديات الواقعية الناجمة عن عقود من الإهمال والتخريب والتسييس. حيث عقبات بيروقراطية ومالية تعيق صرف الموازنة المخصصة منذ 2019، في مشهد يعكس عمق المعضلة الإدارية التي تعرقل استثمار هذا المورد الحضاري.
وتُبرز الشهادات الميدانية، من مسؤولين وسياح ومرافقين، نمطًا جديدًا من “الدبلوماسية الشعبية” التي تتموضع فيها المواقع الأثرية كبوابات للتواصل الحضاري مع العالم، في ظل حديث متزايد عن إعادة بعض المقتنيات من المتاحف العالمية إلى موطنها الأصلي.
لكن ورغم ما أُنجز، لا تزال بابل تراوح بين خطاب الطموح ومحدودية الإنجاز، في مفارقة تختزل التوتر الدائم بين “الرمزية” و”الوظيفة”، بين قداسة التاريخ ومتطلبات السوق، وبين الرؤية الثقافية والتحديات السياسية.
ولئن كانت “بوابة عشتار” تُحاكي تاريخًا من التمجيد البابلي للسلطة، فإن المشهد اليوم يعيد إنتاج نفس البوابة بوصفها مدخلًا لقراءة جديدة للعراق نفسه: بلد التاريخ الجريح الذي يحاول أن ينهض من تحت ركامه، ويعيد صياغة صورته في أعين الآخرين.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
القضاء يباشر بالتحقيق مع سجناء دواعش وصلوا من سوريا
شبح الفراغ السياسي يخيم على بغداد وسط دعوات لإرادة جادة للتنازلات
الاطار في ميزان الاختبار ؟