بغداد/المسلة: بينما يصارع العراق لتجاوز إرث البيروقراطية الورقية، يبرز التحول الرقمي كمسار معقد يتجاوز كونه تحديثاً تقنياً ليصبح أداة لتغيير سلوك المواطنين تدريجياً، بعيداً عن الصدام المباشر مع الهياكل الإدارية التقليدية.
ورغم غياب التشريعات الضامنة التي تحمي الخصوصية الرقمية، إلا أن هذا المسار بدأ يفرض شفافية أقوى في معاملات المواطن اليومية، مما يلقي بالواقع العراقي نحو انتعاشة ملحوظة في جودة الخدمات المقدمة.
وعلاوة على ذلك، تشير البيانات الرسمية إلى قفزة نوعية في مؤشرات الرقمنة؛ فقد ارتفعت نسبة مستخدمي الإنترنت لتصل إلى 82.9 بالمئة من السكان بنهاية عام 2024، مقارنة بنحو 44.3 بالمئة في عام 2019. هذا الانفتاح التكنولوجي ترافق مع انضمام 859 جهة حكومية إلى منظومة الإدارة الإلكترونية، حيث جرى تبادل نحو 4 ملايين وثيقة رقمية، مما ساهم في تحسن موقع العراق ضمن مؤشر تنمية الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات “IDI”.
وأكد رئيس الوزراء، محمد شياع السوداني أن التحول الرقمي يوفر الخدمة المباشرة ويقلل الكلف ويحارب الفساد، فيما شدد على ضرورة الانتقال الى مستوى هيئة مستقلة أو وزارة معنية بالتحول الرقمي والأمن السبراني خلال 3 سنوات.
وأشار رئيس الوزراء الى أن “اللجنة العليا للتحول الرقمي تشكلت كي يكون التحول قراراً فاعلاً ولا يقتصر على خطوات متفرقة، كما تقرر، بناءً على دراسة قدمتها لجنة فنية، تأسيس (مركز وطني للتحول الرقمي)، و (مركز وطني للأمن السبراني)”.
ومن جانب آخر، يرى مراقبون أن هذا الانتقال يمثل تغييراً اجتماعياً جذرياً يعيد صياغة علاقة الفرد بالدولة، محولاً إياها من علاقة قائمة على المعاملات الورقية المملة إلى أسلوب أكثر مرونة وشفافية. وفي هذا السياق، يقول المواطن العراقي “علي جاسم” أثناء استخدامه لأحد التطبيقات الحكومية: “لقد وفرت الرقمنة علينا ساعات من الانتظار تحت الشمس، لكننا ما زلنا نخشى من تعطل الأنظمة المفاجئ”.
ومع ذلك، يواجه هذا المسار تحديات بنيوية، حيث يبيّن خبراء أن ضعف الخطاب الإعلامي المصاحب للتحول الرقمي حال دون فهم الجمهور لأهمية هذه الخطوات، يرافقه غياب إطار قانوني متكامل يحمي البيانات ويحقق أمناً سيبرانياً فاعلاً. وفي هذا الصدد، قالت ناشطة في مجال الحقوق الرقمية عبر صفحتها في “فيسبوك”: “التكنولوجيا وحدها لا تكفي، نحن بحاجة إلى قوانين تحمي بياناتنا من الاختراق والتوظيف السياسي”.
وفي المحصلة، يظل التحول الرقمي في العراق حلاً عملياً لتقليل الوقت وتخفيف الروتين والحد من البيروقراطية، لكن نجاحه النهائي يظل رهناً بسد الفجوة التشريعية وتأمين الفضاء الرقمي.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
حكومة كردستان تتهم وزارة التخطيط الاتحادية بالتلاعب بنسبة سكان الإقليم
بغداد لا تنحني.. القرارُ مَمهورٌ بالسيادة
المالكي: حل أو دمج الحشد يتم حصراً ضمن الدستور وبقرار من الدولة