المسلة

المسلة الحدث كما حدث

وزير الاتصالات يتخلى عن “معالي” ويفتح باب مراجعة لغة الدولة الرسمية

وزير الاتصالات يتخلى عن “معالي” ويفتح باب مراجعة لغة الدولة الرسمية

20 ماي، 2026

بغداد/المسلة: في لحظة تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها عميقة في دلالاتها، اختار وزير الاتصالات مصطفى سند أن يضع إصبعه على جرح قديم ظلّ يتسع بصمت في بنية الخطاب الرسمي، حين رفض تزيين اسمه بمفردة “معالي”.

ليست المسألة لغوية ولا بروتوكولية، بل هي مواجهة مباشرة مع ثقافة كاملة قامت على تضخيم الأشخاص لا المؤسسات، وعلى نفخ الألقاب بدل وزن الإنجاز.

في بلد تحوّلت فيه اللغة الرسمية إلى حقل مزدحم بالرتوش، لم تعد الصفات تُمنح وفق موقع أو مسؤولية بقدر ما باتت تُوزّع كأدوات مجاملة، تصنع طبقة من الهالات المصطنعة حول مسؤولين لا تحتاج مواقعهم إلى أي إضافات تجميلية.
و بين “معالي” و”سعادة” و”دولة” و”فخامة”، يتآكل المعنى الحقيقي للمنصب، ويُستبدل بسوق رمزية مفتوحة على التملق أكثر من ارتباطها بالدولة.

المفارقة أن هذا التضخم اللفظي لم يأتِ من فراغ، بل من شبكة مصالح صغيرة تحيط بالمسؤول، إعلام يهوى المبالغة، وبطانات ترى في تضخيم الألقاب وسيلة لرفع القيمة السوقية للنفوذ، ومشهد عام اعتاد أن يقرأ الأشخاص عبر ما يسبق أسمائهم لا ما يصدر عنهم من فعل. وهكذا تحوّل اللقب إلى قناع، لا إلى توصيف.

في التجارب السياسية الرصينة، لا مكان لهذا الإفراط. المسؤول يُنادى باسمه أو موقعه الوظيفي، دون إضافات تزيينية لا تصنع شرعية ولا تمنح وزناً.

بينما في السياق المحلي، تبدو المسافة بين النص الرسمي والواقع الاجتماعي واسعة إلى حد يخلق فجوة في الوعي العام، حيث تختلط الرمزية بالسلطة، واللغة بالمكانة، حتى تغدو الكلمة جزءاً من صناعة الوهم.

اللافت في خطوة سند أنها لم تكن مجرد تصحيح لغوي، بل رسالة سياسية ضمنية إلى منظومة كاملة اعتادت أن تعيش على تضخيم ذاتها عبر اللغة.

هي محاولة لكسر هذا النسق، وإعادة الاعتبار لفكرة أن المنصب لا يحتاج وسادة لفظية كي يبدو أكبر مما هو عليه.

 

 


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author