بغداد/المسلة: في لحظة إقليمية تبدو فيها خرائط الطاقة أشبه برقعة شطرنج فوق بركان، يتحول الخلاف النفطي بين بغداد وعمّان إلى ما يشبه “حرب السنتات” التي تخفي خلفها صراعاً أعمق على خطوط النجاة الاقتصادية في المشرق.
فالعراق، الذي وجد نفسه فجأة أمام اختناقات بحرية وارتجاجات جيوسياسية تهدد شرايين التصدير عبر الخليج، بات ينظر إلى المنافذ البرية بوصفها “ممرات سيادية” لا مجرد طرق تجارية، فيما تتعامل عمّان مع ملف الخصومات النفطية باعتباره معادلة أمن طاقي لا تحتمل المجازفة.
الخلاف الذي يدور ظاهرياً حول أربعة دولارات في البرميل، فتح أبواباً واسعة لأسئلة تتجاوز الحسابات المحاسبية الباردة. فبغداد، وفق ما يردده اقتصاديون عراقيون ترى أن استمرار الخصم القديم البالغ 16 دولاراً للبرميل لم يعد منطقياً في ظل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين واختلاف نوعية الخام العراقي عن خام برنت المرجعي.
وفي المقابل، يخشى الأردن من أن أي تعديل جديد سيعني زيادة مباشرة في فاتورة الطاقة داخل اقتصاد يعاني أصلاً من ضغوط الدين والتباطؤ الإقليمي.
الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي وصف المشهد بخسارة شهرية تتجاوز 25 مليون دولار نتيجة توقف تدفقات تتراوح بين 10 و15 ألف برميل يومياً. لكن خلف الأرقام تقف صورة أكثر قتامة؛ إذ إن العراق، الذي كان يحقق قبل اضطرابات المضيق إيرادات قاربت سبعة مليارات دولار شهرياً، وجد نفسه في نيسان أمام إيرادات لا تتجاوز مليار دولار فقط، في مشهد يشبه “نزيفاً مالياً بطيئاً” لدولة ريعية تقف فوق بحر من النفط لكنها تتعثر في الوصول إليه.
وتداول مدونون عراقيون خلال الساعات الأخيرة تعليقات حادة تصف الأزمة بأنها “اختبار مبكر” للحكومة العراقية الجديدة، فيما رأى آخرون أن بغداد تدفع ثمن اعتمادها التاريخي على الممرات البحرية دون بناء شبكة تصدير برية مستقرة مع الجوار العربي.
وفي أروقة السياسة الإقليمية، ثمة من يقرأ الملف باعتباره انعكاساً لتحول أوسع؛ فالدول لم تعد تتفاوض على النفط وحده، بل على النفوذ، والمرونة، وحق النجاة وسط عاصفة شرق أوسطية تتبدل خرائطها كل أسبوع.
وفي خلفية المشهد، تبدو الصحراء الممتدة بين العراق والأردن كأنها تنتظر قوافل النفط العائدة، بينما تتحول شاحنات الخام المتوقفة إلى استعارة سياسية ثقيلة: دول تملك الثروة، لكنها ما تزال تفاوض على الطريق.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
وزير النفط: إنهاء حرق الغاز أواخر 2029
الكنيست الإسرائيلي يصادق على حل نفسه بغياب نتنياهو
قراءة في كتلة الـ170 مقعداً التي يؤكدها تحالف السوداني.. وانتقادات لسلوك إعادة التموضع للفاعلين السياسيين