بغداد/المسلة: في خضم جدل متصاعد يلامس جوهر السيادة الوطنية على القطاع الصحي، تجددت الدعوات البرلمانية الرافضة لعقود إدارة وتشغيل المستشفيات الحكومية المبرمة مع شركات أجنبية، وسط اتهامات بـ”استنزاف المال العام” و”خصخصة مقنّعة” تتناقض مع واقع بطالة الآلاف من الخريجين الطبيين والصحيين.
وجددت النائبة ألق جليل الغرابي، عضو لجنة الصحة والبيئة النيابية رفضها القاطع لهذه العقود بصيغتها الحالية، واصفة إياها بأنها “عقود بلا فائدة” تُثقل كاهل الخزينة العامة دون أن تُترجم إلى تحسين ملموس في الخدمات أو تمكين للكوادر الوطنية.
وجاء موقفها هذا خلال تحركات رقابية مكثفة شملت اجتماعات موسعة للجان متخصصة ضمّت نواباً ومسؤولين محليين، بهدف مراجعة بنود العقود وإعداد ورقة إصلاحية تُرفع إلى الحكومة.
وتتعلق هذه العقود بإدارة وتشغيل سبع مستشفيات حديثة (أو ستة وفق بعض التصريحات الرسمية) في محافظات عدة، من بينها النجف الأشرف وبابل وذي قار وميسان وكربلاء، بتكلفة إجمالية تقدر بنحو تريليون دينار عراقي. وقد أبرمت مع شركات تركية وإيطالية وقطرية، في إطار برنامج “الإدارة الحديثة” الذي رعاه وزير الصحة صالح الحسناوي، بهدف تطبيق معايير أوروبية وتدريب الكوادر المحلية. غير أن المنتقدين يرون فيها تناقضاً صارخاً: فبينما تُدفع ملايين الدولارات شهرياً لإدارات أجنبية، يعاني آلاف الخريجين من الكليات الطبية والصحية البطالة أو العمل بعقود مؤقتة هزيلة، في مشهد يُجسد “سوء إدارة” يُقصي الطاقات الوطنية ويُهدر الموارد.
وتبرز حالة مستشفى الناصرية التعليمي (التركي) في ذي قار نموذجاً صارخاً؛ إذ سُلّمت إدارته لشركة قطرية بعقد يمتد لأكثر من سنتين، قبل أن تتكشف ملاحظات حول تلكؤ في الصيانة وانهيار منظومات التبريد، ما أدى إلى معاناة المرضى ومطالبات رسمية بإلغاء العقد. وتتكرر شكاوى مشابهة في محافظات أخرى، حيث تُلزم العقود الدولة بتوفير الأدوية والمستلزمات والوقود، بينما تبقى المراكز الصحية الأولية ومراكز الأورام وغسل الكلى تعاني نقصاً حاداً في التجهيزات.
على منصة إكس وفيسبوك، تتدفق ردود الأفعال المقتضبة التي تعكس غضباً شعبياً واسعاً. يقول ناشطون: “تريليون دينار لشركات أجنبية بينما أطباؤنا يحتجون على أبواب التعيين”، و”خصخصة مقنّعة تهدر المال العام وتُقصي الشباب العراقي”.
وفي تعليقات أخرى تتردد عبارات مثل “الفرهود مستمر”، مستذكرين حالات سابقة كعقد تشغيل مستشفى النجف التعليمي الذي أثار جدلاً بتكلفته السنوية الباهظة التي بلغت عشرات المليارات من الدنانير، في وقت كان بناء المستشفى نفسه قد كلف مئات المليارات سابقاً. ويصف مراقبون هذه العقود بأنها “استنزاف ممنهج” يفاقم أزمة الثقة ويحول دون بناء نظام صحي يعتمد على الذات الوطنية.
ويحذر المتابعون من أن استمرار هذا النهج، دون مراجعة جذرية تربط بين الاستثمار في البنية التحتية وتمكين الكفاءات المحلية، يُبقي القطاع الصحي رهينة قرارات تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية، وتُكرّس الاعتماد على الخارج في وقت تُعاني فيه الدولة من ضغوط مالية واجتماعية متزايدة.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
زلزال تحت السطح: كيف يُعاد رسم نظام القوة في الشرق الأوسط بعيداً عن شاشات الأخبار؟
الدولار يعرقل الاتفاق بين واشنطن وطهران
واشنطن تلوّح بإقصاء آلاف المرتبطين بالفصائل من مؤسسات الدولة وتجميد وزارات ضمن إعادة تشكيل الكابينة