المسلة

المسلة الحدث كما حدث

زلزال تحت السطح: كيف يُعاد رسم نظام القوة في الشرق الأوسط بعيداً عن شاشات الأخبار؟

زلزال تحت السطح: كيف يُعاد رسم نظام القوة في الشرق الأوسط بعيداً عن شاشات الأخبار؟

6 يونيو، 2026

بغداد/المسلة:

صفاء الحاج

يعيش الشرق الأوسط اليوم على وقع انفجارات متتالية وأصوات صواريخ لا تهدأ، وهي المشاهد التي تتصدر شاشات التلفزة ونشرات الأخبار العالمية. لكن القراءة السطحية لهذه الأحداث غالباً ما تقع في فخ الاختزال، حاصرةً الأزمة في خانة “ردود الأفعال الآنية” أو القرارات الوليدة اللحظة بين عواصم القرار كطهران، وتل أبيب، وواشنطن. الحقيقة الأكثر عمقاً تشير إلى أن ما نشهده اليوم ليس البداية، بل هو المشهد الختامي لحقبة كاملة، ونتاج طاقات وقوى جيوسياسية خفية تراكمت تحت السطح على مدار عقدين من الزمن على الأقل.

صراع على “مركز الثقل” لا على الحدود

إن المواجهات العسكرية الظاهرة، والضربات الصاروخية المتبادلة بين إسرائيل وإيران، ليست في جوهرها مجرد صراع أمني لحماية الحدود أو ردع الخصوم؛ بل هي ستار لـ”المعركة الحقيقية” الدائرة في الغرف المغلقة وعمق الميدان. في أدبيات الجيوبوليتيك، تمتلك كل منطقة “مركز ثقل” أو ما يُعرف بـ (Hub) النفوذ والقدرة. ومَن ينجح في الاستحواذ على هذا المركز، يفرض على بقية القوى الإقليمية والدولية إعادة تعريف تموضعها وسياساتها بناءً على شروطه وقواعده. من هنا، فإن الحرب المستعرة هي حرب على من يمسك بزمام “النظام الإقليمي القادم” ويصبح القائد الفعلي للمنطقة.

 أزمة المشروعية وتفكك السردية القديمة

يتزامن هذا الصراع مع معضلة بنيوية كبرى في العلوم السياسية تُعرف بـ **”بحران مشروعيت” (Crisis of Legitimacy) أو أزمة المشروعية *. والمقصود هنا يتجاوز المفهوم العامي المتمثل في “عدم رضا الشعوب”؛ فالأزمة أعمق وتطال “السردية” أو القصة التي كانت الأنظمة والمنظومات السياسية تفسر وتسوّغ بها وجودها وقوتها. هذه الأزمة لا تعصف بالشرق الأوسط فحسب، بل تمتد كعدوى صامتة لتضرب المنظومات الغربية، وأوروبا، وإسرائيل على حد سواء، حيث لم تعد أدوات النظام القديم قادرة على إقناع الجماهير أو إدارة الأزمات بالكفاءة السابقة.

برزخ الفوضى والتعليق التاريخي

إذا استعرنا بعض المفاهيم الرمزية والفلسفية التي تفسر تحول الأنظمة التاريخية الكبرى تحت الضغط الشديد، نجد أن التغيير يمر حتماً بثلاث مراحل: انكسار النظام القديم، ثم الدخول في مرحلة “الآشوب” (الفوضى والغموض)، وصولاً إلى ولادة النمط الجديد.

وتعيش المنطقة اليوم – وتحديداً المشهد الإيراني والإقليمي المرتبط به – في قلب **المرحلة الثانية (مرحلة التعليق)**. فالنظام القديم لم يمت بالكامل، والنظام الجديد لم يولد بعد. هذه المرحلة البرزخية هي دائماً الأطول والأكثر رعباً في التاريخ، لأنها تفرز حالة من “الاضطراب التاريخي” والقلق العام، حيث يتحرك الجميع في ضباب كثيف دون قدرة واضحة على معرفة الوجهة النهائية.

“الميدان الرابع”: الحرب الأخطر على العقول

وسط هذه الفوضى، يبرز مفهوم حديث يتداوله خبراء تحليل القوة وهو  “ميدان النبرد الرابع” (The Fourth Battlefield) *. فبعد الميادين الثلاثة التقليدية (العسكرية، الاقتصادية، والسياسية)، يأتي الميدان الرابع المتمثل في  “الإدراك والوعي” *.
إن المعركة الأشرس والأكثر تأثيراً في هذه المرحلة ليست معركة السيطرة على الأرض بالصواريخ، بل معركة السيطرة على “أذهان الناس” وتوجيه صورتهم الذهنية نحو المستقبل. عندما تنجح قوة ما في تغيير رؤية الشعوب للمستقبل، يتغير بالتبعية السلوك الاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي لتلك الشعوب. والخطورة هنا تكمن في أن الجماهير تظل مشغولة بمتابعة دوي الانفجارات، بينما يجري تغيير “قواعد اللعبة” بأكملها بهدوء وتحت الأرض.

إلى أين نمضي؟ (أفق الأشهر الستة القادمة)

إن القراءة المتأنية للمسارات الحالية لا تشير إلى سيناريوهات سينمائية مثل الانهيارات المفاجئة للأنظمة، ولا تبشر بانتصارات ساحقة أو هزائم ماحقة ومطلقة لأي طرف. بدلاً من ذلك، نحن نقف على أعتاب عملية

“بازآرایی” (إعادة صياغة وترتيب هادئة ومؤلمة لموازين القوى).

إذا استمرت الديناميكيات الحالية، فإن الأشهر الستة القادمة كفيلة بإفراز “موازنة قوى جديدة كلياً” في الشرق الأوسط؛ موازنة لم يتم الاتفاق على اسم لها بعد في القواميس السياسية. قد تبقى الوجوه والقطع السياسية على الرقعة كما هي، لكن القواعد التي تحركها ستكون قد تغيرت بالكامل، لينتهي المطاف بنظام إقليمي جديد تولد تفاصيله من رحم هذا المخاض الطويل والمعقد.


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author