بغداد/المسلة:
محمد الكعبي
تُعدّ هذه المقولة من الحكم الاجتماعية العميقة التي تختزل حقيقةً مهمةً في حياة الأفراد والمجتمعات؛ فهي لا تتحدث عن الوجود المادي للإنسان بقدر ما تتحدث عن قيمة حضوره وأثره في محيطه.
فقد يعيش الإنسان بين الناس سنوات طويلة، لكنه لا يترك أثرًا يُذكر، ولا يقدّم نفعًا أو فكرةً أو خدمةً أو موقفًا إيجابيًا، فيصبح وجوده وعدمه سواءً في نظر المجتمع فإذا حضر لم يُحسب له حساب، وإذا غاب لم يشعر أحد بفراغ تركه وراءه وهذا هو المعنى الذي تشير إليه العبارة: «إن وُجد لا يُعَدّ، وإن ذهب لا يُفتَقَد».
وفي المقابل، هناك أشخاص يمتلكون حضورًا فاعلًا ورسالةً واضحة، يبنون ويصلحون ويعلّمون ويخدمون الناس، فتكون لهم بصمة ظاهرة في حياتهم هؤلاء إذا حضروا أضافوا قيمةً للمكان الذي يوجدون فيه، وإذا غابوا شعر الناس بفقدهم واستذكروا أعمالهم ومواقفهم .
ومن هنا فإن قيمة الإنسان لا تُقاس بطول عمره، ولا بمنصبه، ولا بما يملك من مال، وإنما بما يتركه من أثر نافع بين الناس وقد لخّص الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) هذه الحقيقة بقوله: «قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسِنُه»، أي إن قيمة الإنسان الحقيقية تكمن فيما يقدمه من علم أو عمل أو خُلُق أو خدمة للآخرين.
إن المجتمعات الحية هي التي تشجع أبناءها على صناعة الأثر، وتحفّزهم على تحمل المسؤولية والمشاركة في البناء والإصلاح؛ لأن الإنسان الذي يعيش لنفسه فقط قد يُنسى سريعًا، أما الذي يعيش لقضية أو رسالة أو لخدمة الناس فإن أثره يبقى حاضرًا حتى بعد رحيله.
ولذلك ينبغي لكل إنسان أن يسأل نفسه: ماذا سأترك وراءي؟ وما الأثر الذي سيبقى بعد غيابي؟ فالأعمار محدودة، أما الأعمال الصالحة والآثار النافعة فهي التي تمنح الإنسان حضورًا دائمًا في ذاكرة الناس وفي ميزان القيم الإنسانية والأخلاقية.
والمفارقة التي تثير التأمل أن بعض الأشخاص يتصدرون المشهد السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي رغم افتقارهم إلى المقومات التي تؤهلهم لذلك؛ فلا يملكون مشروعًا فكريًا واضحًا، ولا رصيدًا علميًا معتبرًا، ولا حضورًا جماهيريًا مؤثرًا، ومع ذلك نراهم حاضرين في كثير من المحافل والفعاليات، وهنا يبرز التساؤل: هل وجودهم نابع من كفاءة حقيقية، أم أنهم مجرد أرقام تُستكمل بها المشاهد والصور، أو واجهات تُفرضها اعتبارات ومصالح لا علاقة لها بالاستحقاق والجدارة؟
إن المجتمعات التي تضع الشخص المناسب في المكان المناسب هي وحدها القادرة على صناعة التقدم، أما حين تُمنح المواقع والمكانة لمن لا يملك الأهلية، فإن النتيجة تكون إضعاف الكفاءات الحقيقية وتراجع معايير التميز والعطاء لذلك يبقى الأثر الصادق والعمل النافع هما المعيار الحقيقي لقيمة الإنسان .
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
الزيدي في البيت الأبيض.. “ستارلينك” وحقول النفط بوابة بغداد لكسر رضا واشنطن
بين “مشروع التنمية” وعقود النفط ومطالب الخريجين.. السيناريو واحد
تقرير فرانس بريس: إيران خرجت من الحرب أكثر تماسكا