بغداد/المسلة: في مشهد إقليمي طالما شكلت فيه التوترات بين الولايات المتحدة وإيران معادلة صعبة، يحاول العراق، أن يقلب الطاولة على التاريخ، فالاتفاق الأخير على وقف التصعيد، لم يمنح العراق فرصة للتنفس اقتصاديًا فحسب، بل حوّل ملف طهران في بغداد من ساحة مواجهة مفتوحة إلى خانة التفاوض السياسي المكثف، في لحظة تبدو فيها خزائن الدولة فارغة والسقوف الزمنية للنفاذ من الأزمة لا تتجاوز أشهرا عدة.
منذ ساعات الإعلان عن التفاهم بين واشنطن وطهران، تصدرت بغداد قائمة المستفيدين، إن لم تكن الأكثر تأثرًا بتبعات هذا التهدئة التي أزالت، ولو مؤقتًا، شبح حرب إقليمية كانت ستدفع ثمنها أولًا بأول. فقد استؤنفت حركة الملاحة في مضيق هرمز، مما أعاد إحياء الصادرات النفطية الجنوبية التي شهدت انخفاضًا قياسيًا، وتوقفت الاشتباكات التي جعلت من الأراضي العراقية منصة للصواريخ والطائرات المسيرة.
يقول الخبير الاقتصادي، منار العبيدي، إن “عودة الاستقرار إلى ممرات الشحن الدولية أرسلت رسائل طمأنة للأسواق، مما يعزز الثقة بالاقتصاد العراقي ويشجع تدفق الاستثمارات الأجنبية، خصوصًا في قطاعات الطاقة والبنية التحتية” .
لكن التنفس الاقتصادي، كما يبدو في مشهد بغداد اليوم، مشروط بتحول سياسي داخلي أوسع.
ووصل المبعوث الأميركي الجديد توم باراك إلى العاصمة حاملاً رسالة دعم ومعه شحنات من الدولارات المودعة في الاحتياطي الفيدرالي، لكن هذه الشحنات تأتي بثمن: “نزع السلاح الكامل وحل جميع التشكيلات المسلحة التي تعمل خارج سلطة الدولة”، وفق ما ورد في البيان المشترك الصادر عن البيت الأبيض .
في منشور على منصة إكس (تويتر)، كتب باراك فور وصوله: “يسعدني ويشرفني العودة إلى بغداد، حيث سألتقي برئيس الوزراء لنقل دعم الرئيس ترامب لحكومته ومناقشة شراكتنا لرسم مسار جديد لعلاقة قوية بين الولايات المتحدة والعراق” .
لكن تصريحات المسؤولين الأميركيين، التي تحدثت عن أن بغداد لم تفعل ما يكفي لكبح جماح الفصائل، تحولت سريعًا إلى سلسلة من الشروط السياسية والأمنية.
بين دبلوماسية الأزمة وضغوط الإفلاس
يمثل وقف التصعيد منعطفًا حاسمًا لرئيس الوزراء العراقي، الذي يواجه اختبارين متلازمين: الأول هو إثبات قدرته على بسط سيطرة الدولة على السلاح، والثاني هو إنقاذ البلاد من أزمة مالية وصفتها المصادر الرسمية بأنها “خانقة”.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن العراق فقد نحو 250 مليون دولار يوميًا بسبب إغلاق المضيق، مما هدد قدرته على دفع رواتب الموظفين العموميين، التي تقدر بنحو 10 تريليونات دينار عراقي (حوالي 6.7 مليار دولار) شهريًا .
في ختام هذا المشهد المتشابك بين دبلوماسية التهدئة وأزمات التمويل، يبدو العراق وكأنه يمر بامتحان عسير لاستعادة سيادته الاقتصادية والأمنية. بين المطرقة الأميركية التي تفرض شروطها لإعادة تدفق الدولارات، والسندان الإيراني الذي يترقب أي تحول جذري في طبيعة حلفائه.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
تقرير فرانس بريس: إيران خرجت من الحرب أكثر تماسكا
لماذا الغموض في الاتفاق الأمريكي – الإيراني؟
فساد بسكر قليل