بغداد/المسلة: تبدو عملية فنزويلا، في قراءتها الأوسع، تحوّلاً مدروساً في سلوك القوة الأمريكية أكثر من كونها إجراءً أمنياً ظرفياً، إذ عكست انتقال واشنطن من إدارة الخصومات عبر الضغط المتدرج إلى فرض الوقائع المباشرة، في رسالة مشحونة بالدلالات تتجاوز الجغرافيا اللاتينية إلى مسارح توتر أخرى، ولا سيما الشرق الأوسط، حيث بات منطق الحسم جزءاً من اللغة السياسية الجديدة.
ويشرح هذا التحول سياقاً أوسع في منهجية الإدارة الأمريكية، التي أظهرت استعداداً لاستخدام أدوات قاسية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، متجاوزة الاعتبارات التقليدية للنظام الدولي، مع تأكيد متكرر على أن كلفة التردد باتت أعلى من كلفة الفعل، وهو ما أعاد تعريف الردع بوصفه فعلاً تنفيذياً لا تهديداً نظرياً.
ومن جانب آخر، تكتسب الرسائل الموجهة إلى إيران وزناً خاصاً، في ظل تزامن العملية مع تصاعد الاحتجاجات الداخلية والضغوط الاقتصادية، بما عزز قناعة داخل طهران بأن واشنطن لم تعد تلوّح بالقوة فقط، بل تضعها على الطاولة كخيار قابل للتفعيل وفق السياق واللحظة السياسية المناسبة.
ويكشف هذا المشهد عن إدراك إيراني متنامٍ لطبيعة المقاربة الأمريكية، التي تجمع بين خطاب تفاوضي علني وتخطيط ميداني صامت، ما يدفع صانع القرار في طهران إلى تبنّي براغماتية حذرة توازن بين تجنب الصدام المباشر والحفاظ على ثوابت النظام، في معادلة وجودية معقدة.
وفي السياق ذاته، تتسع تداعيات عملية فنزويلا لتطال الساحة العراقية، حيث أعادت ترتيب حسابات الفصائل المسلحة أمام واقع بنك أهداف مفتوح، ورسائل أمريكية لا تحتمل التأويل، ما يضع هذه القوى أمام خيارات محدودة بين التكيّف أو المجازفة بمواجهة غير متكافئة.
ويبرز هنا البعد الإقليمي الأشمل، إذ يتقاطع التصعيد الأمريكي مع توترات متراكمة في الشرق الأوسط، خصوصاً مع إسرائيل، في بيئة استراتيجية قابلة للاشتعال، تتداخل فيها الحسابات المحلية مع صراع النفوذ الدولي، وتتحول فيها الأزمات الداخلية إلى نقاط ضغط خارجية.
وعلى مستوى النظام الدولي، يعكس هذا السلوك الأمريكي رؤية تسعى إلى تكريس تفوق أحادي في عالم مضطرب، حيث يُعاد رسم قواعد اللعبة وفق اعتبارات الأمن القومي والمصلحة العليا، لا وفق منطق التوازنات الكلاسيكية، في صراع مفتوح لمنع تشكّل أقطاب موازية.
وينتهي هذا المسار إلى معادلة قاسية لخصوم واشنطن، مفادها أن استيعاب التحولات مبكراً قد يخفف الكلفة، فيما تجاهلها يفتح الباب أمام فرض وقائع أشد إيلاماً، في زمن باتت فيه القوة أداة تفاوض بحد ذاتها.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
دخان الحرب فوق مضيق هرمز : السيناريو الأسوأ لاقتصاد العالم
كيف ستكون إيران؟
الحكيم: نعرب عن أسفنا للتغريدة التي صدرت بحق مرشح الإطار ونحذر من تبعات اقتصادية كبيرة