بغداد/المسلة:
ناجي الغزي
التصريحات الأمريكية الأخيرة لا يمكن التعامل معها كتعليق سياسي عابر، بل تمثل لحظة اختبار فعلية لطبيعة القرار السياسي لدى القوى الشيعية الحاكمة في العراق. المسألة لا تختزل بشخص السيد نوري المالكي، بل تلامس سؤالاً أعمق يتكرر مع كل استحقاق انتخابي: من يصوغ شكل القيادة في العراق، الإرادة الداخلية أم التأثير الخارجي؟
من الناحية الشكلية، تبدو العملية دستورية خالصة، مفاوضات، وتحالفات، ثم استحقاقات برلمانية. لكن مع دخول المواقف الدولية على الخط، يتحول هذا المسار من شأن داخلي إلى جزء من معادلة أوسع، حيث يُنظر إلى اختيار رئيس الوزراء بوصفه قراراً يؤثر في توازنات إقليمية ودولية، لا مجرد إجراء إداري داخل دولة ذات سيادة.
جوهر المشكلة لا يكمن في الأسماء، بل في موقع العراق الجيوسياسي. فالعراق دولة تعاني هشاشة في بنيتها السياسية، لكنها تمتلك موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية في شبكة الطاقة وممرات النفوذ والصراع بين المحاور الكبرى. وفي مثل هذه الدول، لا يكون منصب القيادة إدارة داخلية فحسب، بل أداة لضبط الاتجاه الاستراتيجي للدولة.
ومن هنا تتكرس قاعدة غير معلنة، العملية تبدأ في الداخل، لكن مسارها يخضع لمراجعة الخارج. ومع كل أزمة سياسية، يتضح أن الصراع الحقيقي ليس على الشخص الذي يشغل المنصب، بل على الجهة التي تتحكم بوجهة العراق في خريطة القوة.
موقف الإطار التنسيقي من التصريح
إلى الآن، يتمسك الإطار التنسيقي بإعلان ترشيح السيد نوري المالكي لرئاسة الوزراء بوصفه خياره الرسمي. في المقابل، التصريحات الأمريكية المتعلقة بطبيعة الحكومة المقبلة وضرورة أن تكون (شاملة ومستقلة عن النفوذ الإيراني)، تعكس حالة توتر سياسي، لكنها لم تُواجَه حتى الآن بردود تصعيدية واضحة من الإطار.
عموماً، لا تميل القوى الرئيسية داخل الإطار إلى الذهاب نحو مواجهة مباشرة مع الضغوط الخارجية الامريكية، إذا رأت أن إدارة التوازن تخدم جمهورها الداخلي وتحافظ على تحالفاتها مع الفصائل المسلحة والقوى الإقليمية الداعمة. هذا السلوك يعكس مقاربة تقوم على المناورة أكثر من الصدام.
أما السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار الإطار بالدفع نحو ترشيح المالكي سياسياً، مع احتمال إدخال تعديلات أو تنازلات في شكل الحكومة وتركيبتها لاحتواء التوتر مع واشنطن. أي أن المسار المتوقع هو امتصاص الضغط عبر ترتيبات شكلية أو توازنات سياسية، لا عبر تراجع كامل عن الخيار المطروح.
المفارقة والمقارنة في المعايير
المفارقة الامريكية التي يراها الشارع العراقي تكمن في المقارنة بين حالتين:
في سوريا، حولت أمريكا الجولاني الإرهابي الى الرئيس أحمد الشرع، وهو ذات ماضٍ قتالي وتنظيمي حاد جرى التعامل معه لاحقاً بواقعية سياسية، وأُعيد إدماجه في مشهد معترف به دولياً عندما اقتضت المصلحة.
أما في العراق، فالمالكي الشخصية الوطنية، التي ارتبطت بإدارة الدولة وبناء مؤسساتها المدنية والعسكرية والأمنية، ومحاربة الارهاب المسلح، التي صفق لها الكونجرس الأمريكي أكثر من مرة، تُواجَه بخطاب رفض وضغط سياسي، من قبل الرئيس الامريكي ترامب.
هذه المفارقة والمقارنة، سواء اتفق معها البعض أو اختلف، تُستخدم داخلياً لإثبات أن المعيار الأمريكي ليس أخلاقياً ولا قانونياً، بل وظيفي صرف. لكن الخطورة ليست في هذا السلوك الأمريكي، فهو ثابت تاريخياً، الخطورة في كيفية استجابة الداخل له.
فعندما يُفهم الموقف الخارجي بوصفه (فيتو) مسبقاُ على مرشح عراقي، فإن الأمر يتجاوز حدود الرأي السياسي الدولي، ليتحوّل في الوعي المحلي إلى مساس مباشر بتقويض الإرادة الوطنية. وتجاوز صريح على السيادة. وأن الشرعية لا تستمد قوتها من الصندوق والمؤسسات، بقدر ما تحتاج إلى قبول خارجي، وليس في بغداد. ومع تكرار هذا النمط، تتآكل الثقة بالمسار الديمقراطي نفسه، ويغدو النقاش حول الأسماء ستاراً يخفي سؤالاً أعمق: أين يتحدد مصدر القرار النهائي؟
من يتحكم بالقرار الشيعي؟
الشرط السياسي اليوم واضح: إذا تم تعديل المسار القيادي استجابةً لإشارة خارجية، فذلك يعني أن القرار الداخلي لم يكن حاسماً بذاته، بل كان قابلاً للتأثر بالضغط الدولي. في علم السياسة، هذا لا يُفسَّر بوصفه مرونة، بل يُقرأ كمؤشر على هشاشة الإرادة السياسية. فالقوى التي ترفع خطاب السيادة والمقاومة ورفض الوصاية الخارجية، تصبح أمام اختبار واقعي.
هل خطابها هو توصيف لحالة فعلية؟ أم أداة تعبئة داخلية تنتهي صلاحيتها عند أول ضغط دولي مباشر؟
إذا أصبح مسار اختيار القيادة الشيعية يتحدد عبر إشارات خارجية أو عبر استثمار خصوم الداخل لهذه الإشارات، فهذا يعني أن مركز الثقل لم يعد داخل البيئة السياسية الشيعية نفسها. عندها تتحول الأكثرية العددية إلى أقلية فعلية في ميزان القرار، لأن الفاعلية لا تُقاس بعدد المقاعد، بل بقدرة الكتلة على فرض إرادتها دون وصاية.
السياسة ليست شعارات، بل قدرة على الصمود تحت الضغط. الخطاب الذي يتحدث عن الأغلبية والهوية والتمثيل يفقد وزنه إن لم ينعكس في سلوك سياسي مستقل.
أزمة المصداقية
اللحظات المفصلية تُسقط الأقنعة الخطابية. إذا تعارض الخطاب السيادي مع الفعل السياسي، فإن الأزمة لا تكون مع الخارج بل مع الجمهور. لأن الرأي العام يبدأ عندها بالتشكيك: هل كان الخطاب توصيفاً للواقع؟ أم أداة تعبئة مرحلية؟
الدول قد تتعرض للضغط، وهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية، لكن الفارق بين دولة قوية وأخرى ضعيفة هو: الأولى تفاوض من موقع الندّية، والثانية تُعيد تشكيل قرارها وفق اتجاه الضغط الخارجي.
سواء بقي المالكي أو لم يبقَ، فإن جوهر المسألة أعمق من شخص. القضية هي: هل العراق دولة تملك قرارها السياسي ضمن توازنات داخلية صلبة؟ أم ساحة مفتوحة لإعادة ترتيب القيادة كلما تغيّر المزاج الدولي؟ إن تغيير الأشخاص تحت الضغط لا ينهي الضغوط، بل يؤسس لمرحلة يصبح فيها كل استحقاق سياسي عرضة للتدخل نفسه.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
أمانة بغداد: العام الحالي سيشهد إنجاز 3 مجسرات
هيئة الاستثمار: تصاعد ملحوظ في الإقبال الاستثماري الأجنبي
مطبخ القوانين المعطلة.. المحاصصة الحزبية تبتلع فاعلية اللجان النيابية