بغداد/المسلة: عباس الجبوري:
١- في بلادنا الطيبة..
أحد أسباب إقامة مجلس العزاء (الفاتحة) هو التعبير عن الاعتزاز والترحم على الميت، وكذلك لإلهاء أصحاب العزاء وإشغالهم عن المصيبة، والتعبير عن الوقوف معهم، وإظهار التكريم والتوقير للراحل العزيز، وربما لأشياء أخرى على طول المسافة الممتدة بين اليأس والرجاء..
٢- يتناسب الحضور العددي للفاتحة طردياً مع أهمية الميت ووجاهته أو خدمته وشبكة علاقاته وما يملك من مقومات اجتماعية، وكذلك زمن الفاتحة؛ فربما يكون ليوم واحد أو يومين أو ثلاثة، ويصاحب ذلك مائدة مفتوحة أو عشاء حسب القدرة المالية للمتوفى وأهله..
٣- انتهاء الفاتحة هو إعلان عن نهاية الحزن المركز والدموع الغزيرة، والذهاب إلى ممارسة الأعمال اليومية والنشاطات الحياتية الطبيعية، وعدم الالتفات إلى الوراء..
٤- قسمة الميراث..
ربما تبدأ بعد مرور أربعين يوماً على الوفاة، أو بعد الفاتحة لأنها كانت ثقيلة، أو بعد مرور عام على الوفاة، وقد تزيد أو تقصر المدة حسب العلاقة بين ذوي الميت وورثته، وكذلك حالتهم المادية وطبيعة العلاقة بينهم..
٥- الدرس المستفاد من مجلس الفاتحة هو فسح المجال للجميع للتعبير عن ردة فعلهم تجاه الصدمة أو الوفاة أو النكبة، ولكل شيء عمر، وهذه سنة الحياة في كل شيء، بعد أن منَّ الله على الجميع بنعمة النسيان..
٦- بعد النسيان القريب أو البعيد، يعود الأشقاء والشقيقات إلى لغة الأرقام والأمتار في حساب العائد المالي لكل واحد منهم، وهو ما نسميه اليوم حسابات الواقع التي لا مفر منها، والتي تخفي وراءها نوايا وبلايا وعفاريت..
٧- منسوب المشاعر والعواطف، وكمية الدموع، وعدد الحسرات تختلف من شخص لآخر حسب العلاقة مع المتوفى وجانب الاهتمام به، وكذلك مقدار الخسارة المادية أو المعنوية المترتبة على ذلك، وكل الدموع محترمة حتى لو كانت (تباكياً) وليست بكاءً، وهذه التي لا يحبها المتنبي الكبير، وربما لهذه الأسباب لا تبكي (حرائر) النمل أمام جثامين موتاها وهي مسجّاة في مشهد التأبين..
٨- من الممارسات الاجتماعية التي تعارف عليها الناس بعد الوفاة الترحم على الميت كلما ذُكر، وزيارة قبره في مناسبات متعددة، وعدم ذكر مساوئه، وزيادة مناقبه، والتشديد على ذكر محاسنه، لإشاعة مفاهيم الود والاحترام للأموات والأحياء، وحفظ السلم الاجتماعي، وغلق الملفات المختلف عليها مع المتوفى الذي غادرنا بلا سابق إشعار ولا إنذار، لأنه لم يمنح تذكرة السفر، ولم يعلم موعد الإقلاع، ولم يعلم بجهوزية البوابة التي يمر منها إلى الطائرة المنتظرة قريباً منه…
٩- قد تعلو بعض الأصوات بالسبّ والشتم على فلان أو علّان واتهامه بأنه من أسباب الكارثة أو الوفاة، وهذا تجنٍّ واضح وتشكيك بكرامات الناس وذممهم، ولا يخدم العلاقات بين بني البشر، ولا بد من إشاعة ثقافة الثقة والتودد بين الناس رغم مرارة المناسبة وقساوة الفراق، وعدم نسيان القاعدة العامة في الحياة: (كل نفس ذائقة الموت)، وأن الموت قرار حتمي و(حق) على جميع الأنفاس والنسمات..
١٠- بعد مجلس الفاتحة، على الجميع التفكير بالمستقبل، وعدم السكون في الماضي، وعدم المزايدة بالأحزان، ومن هنا اشتُقّت ثقافة (الحي أولى من الميت)، مراعاةً للعواطف وعدم استفزاز المشاعر وتعطيل العمل والتعويض، وليبقى الشعار الخالد:
(رحم الله المتوفى)
فقد عاش كريماً،
ومات عزيزاً،
(والبركة بالباقين)، وكما قيل (بقية السيف أنمى)،
نقول بقية الميت ستحفظ الأمانة،
والله خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين..
يرى آخر أن ما يراه وتراه ويرونه هو تسلّقٌ لخيوط الأمل التي ربما تنقطع وتسقط أبطالها، أو تلتف لتشنق رقابهم حين تتشابك من الحرص والعجلة والغرور، وربما فائض مشاعر هاربة إلى الانتحار من الموت في المحطة القادمة..
ملاحظة:
ربما هذا الحديث لا يشبه السياسة،
وربما السياسة لا تشبه هذا الحديث،
ولكن..
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
الضرائب في اقتصاد ريعي: اختبار العدالة قبل الكفاءة
وزير الخارجية الأمريكي: مستعدون للقاء الإيرانيين يوم الجمعة
قتلى بينهم اطفال بقصف إسرائيلي على غزة