بغداد/المسلة: محمد فلحي
ليست المشكلة في أن يخطئ الإنسان، فالخطأ من طبيعة البشر، لكن المعضلة الحقيقية تبدأ حين تتحول الكلمة إلى قناع، ويغدو الخطاب ستارًا يخفي عكسه. هناك من يتقنون صناعة العبارات، ويجيدون هندسة الشعارات، لكنهم حين يُستدعون إلى ميدان الفعل يتوارون خلف أعذارٍ مصقولة، ويستخدمون ذرائع واهية ويقدمون نماذج هزيلة وكلمات فارغة!
لقد وضع القرآن معيارًا أخلاقيًا صارمًا لهذه المفارقة حين قال تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾
(الصف: 2–3)
إنها ليست عتابًا عابرًا، بل إدانةٌ أخلاقية عميقة؛ لأن التناقض بين القول والعمل يهدم جوهر الثقة، ويحوّل القيم إلى خطبٍ موسمية.
في الفضاء الاجتماعي، نسمع من يدعو إلى النزاهة والشرف وهو يبرّر تجاوزاته الصغيرة. وفي المشهد السياسي، ترتفع لافتات الإصلاح بينما تُدار المصالح في غرفٍ مغلقة. أما في المجال الإعلامي المفتوح بلا حدود او ضوابط او قيم مهنية حقيقية ،فإن أخطر أشكال هذا التناقض هو حين يتحول الإعلامي إلى واعظٍ على المنبر، ومتغاضٍ في الواقع؛ عن مفاسد نفسه وبطانته فيفقد الخطاب رسالته، وتضيع المصداقية التي هي رأس مال الكلمة الشريفة!
إن القول الصادق وعدٌ أخلاقي. وكل وعدٍ لا يسنده فعل، يتحول مع الزمن إلى عبءٍ معنوي على صاحبه. الكلمة ليست صوتًا يُقال، بل موقفًا يُختبر. ومن يعتاد الفصل بينهما، يدرّب مجتمعه — من حيث لا يشعر — على الازدواجية في السلوك!
المجتمعات لا تنهار بسبب نقص الشعارات، بل بسبب فائضها. تنهار حين يعتاد الناس سماع ما لا يُرى، ورؤية ما لا يُقال. وحينها يصبح الصدق استثناءً، والاتساق بطولة نادرة.
إن أعظم الإصلاح لا يبدأ ببيانٍ حماسي، او مقال صاخب او ادعاء فارغ من المعنى،بل بسلوكٍ صامت. لا يبدأ بمطالبة الآخرين، بل بمحاسبة الذات. أن نعيد الاعتبار لتلك المسافة الدقيقة بين اللسان والضمير، وأن نضيّقها حتى تتلاشى.
فالذين يقولون ما يفعلون، هم الذين يمنحون المجتمع أملًا كاذبا و خطابا زائفا، ولا يتورعون وهم في ارذل العمر عن ادعاء بطولات فيسبوكية مضحكة!
والذين يفعلون ما يقولون، هم الذين يصنعون التاريخ بهدوء ويقدمون القدوة الحسنة للمجتمع!
وما أحوجنا اليوم، في زمن الضجيج، إلى كلمةٍ تمشي على قدمين بدلا من عبارات طنانة لأشخاص يكشف تاريخهم عن نفاقهم وتفاهتهم وبخاصة عندما يجلسون على كرسي قبيح!
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
هل تنجح حكومة العراق في ديمومة التوازن على حبل التوترات الإقليمية؟
جهاز الخدمة السرية يعلن قتل شخص حاول الدخول إلى مقر إقامة ترامب
ايران: الحل الدبلوماسي مع واشنطن لا يزال في المتناول