المسلة

المسلة الحدث كما حدث

الدولار مقابل السيادة

الدولار مقابل السيادة

3 ماي، 2026

بغداد/المسلة:

حيدر صبي

الإجراءات الأخيرة بإيقاف شحنات الدولار وتعليق التنسيق الأمني لا تبدو كعقوبات تقليدية بقدر ما تمثل محاولة مدروسة لإعادة تشكيل سلوك الدولة العراقية من الداخل ، إنها سياسة ضغط هادئ لكنها عميقة الأثر تُدار بأدوات الاقتصاد والأمن بدل الدبابات .

واشنطن وفق الرسائل المعلنة والضمنية لا تسعى إلى معاقبة الشعب العراقي قدر تغيير معادلة الحكم ذاتها ، فهي حين تقول إنها “ لا تستطيع السماح بتدفق العملة الأميركية الى نظام يمول ميليشيات ” ، هنا تؤكد على وجود خلل سيادي اكثر من كونه خلل نقدي ، ولتجبر طهران منع تحويل نافذة الاموال العراقية الى وسيلة ضبط سياسي ، كان يُستخدم لتحديد من يملك القرار داخل بغداد ومن يحق له الاستفادة من النظام المالي العالمي .

المطالب الأميركية واضحة في خطوطها العريضة وإن جاءت بلغة دبلوماسية ، مع هذا جاءت صلبة فهي تطالبهم بحكومة ( لا توفر غطاءً للفصائل المسلحة ، قيادة تنفيذية قادرة على ضبط السلاح خارج الدولة ، والتزام فعلي بمنع تسرب الموارد المالية الى شبكات مرتبطة بإيران ) وفيما تحقق هكذا اجراء فمن المرجح العودة ” للوضع الطييعي ” في العلاقة بين البلدين .

فيما حاولنا الغوص في عمق التدابير الامريكية سنجد تلك المطالبات لا تخلو من ضغط لكن طبيعة هذا الضغط ستحدث بصورة تدريجية . فلا حصار شامل ولا قطيعة دبلوماسية بل خنق محسوب يرفع كلفة الاستمرار في الوضع القائم .

إيقاف شحنات الدولار على سبيل المثال لا يؤدي الى انهيار اقتصادي فوري لكنه يضرب في العمق كونه ” يربك السوق ، يرفع أسعار السلع ، ويقيد قدرة العراق على تمويل استيراداته ” .

الرواتب الحكومية قد تستمر بالدفع ، لكنها تفقد قيمتها الحقيقية مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع التضخم ، وهنا فالمواطن لا يُحرم من راتبه لكنه سيُدفع الى واقع اقتصادي أكثر قسوة .

الأثر لا يقف عند الاقتصاد . فتعليق اجتماعات التنسيق الأمني مع واشنطن يضاف لها تجميد بعض أوجه الدعم للمؤسسات الأمنية سيفتح ثغرات حساسة في منظومة الأمن العراقي ، من هنا سنجد التعاون الاستخباري الذي شكّل أحد أعمدة الحرب على الإرهاب يتعرض الآن للاهتزاز ، ما يهدد بعودة فراغات يمكن أن تستغلها جماعات متطرفة أو شبكات مسلحة ، وهكذا يتحول الضغط المالي الى ضغط أمني في معادلة مترابطة تدفع بغداد نحو إعادة حساباتها .

في قلب هذه المعادلة يقف “ الإطار الشيعي ” ، الذي يجد نفسه أمام اختبار وجودي . ( قادته الذين بنوا نفوذهم خلال السنوات الماضية على توازن دقيق بين الدولة والفصائل ، وبين بغداد وطهران يواجهون اليوم معضلة حقيقية ) ، فهل يمكنهم تقديم نموذج حكومي يرضي واشنطن دون أن يخسروا قواعدهم ومصادر قوتهم ؟ ، الواقع يشير إلى أن هذا الانفصال صعب إن لم يكن مستحيلاً في المدى القريب ، فالعلاقة مع إيران ليست مجرد تحالف سياسي بل جزء من بنية السلطة ذاتها .

لهذا، فإن أي مرشح لرئاسة الوزراء قد يخرج من هذا السياق سيكون على الأرجح مرشح تسوية ” لا يملك القدرة الكاملة على كبح الفصائل ، ولا يتمتع بالاستقلال الكافي لطمأنة واشنطن ” . إنه حل مؤقت يهدف الى شراء الوقت أكثر مما يهدف الى حل الأزمة ، لكن الوقت نفسه أصبح مورداً نادراً مع استمرار الضغط الأميركي وتصاعد التوتر الإقليمي .

حال فشل هذا المعسكر في إنتاج حكومة مقبولة ، فإن السيناريوهات تصبح أكثر تعقيداً ، فداخلياً ، قد نشهد تفككاً تدريجياً داخل الإطار وصراعات على النفوذ تعكس ضعف المركز. . اما وخارجياً ، قد تتجه واشنطن نحو أدوات أكثر صرامة تشمل قيوداً أوسع على النظام المالي أو حتى استهداف شخصيات ومؤسسات بعينها . أما على المستوى الشعبي فإن تدهور الأوضاع الاقتصادية قد يعيد إشعال موجات احتجاج كبرى تعيد طرح سؤال شرعية النظام من جديد .

كل ذلك يجري على خلفية صراع أوسع بين واشنطن وطهران ، حيث يتحول العراق مرة أخرى إلى ساحة اختبار للنفوذ لكن الفارق هذه المرة أن أدوات الصراع لم تعد عسكرية بالدرجة الأولى بل مالية ومؤسساتية ما يجعل تأثيرها أبطأ ظهوراً ، وأكثر عمقاً واستدامة .

في نهاية المطاف ، لا يواجه العراق أزمة تشكيل حكومة فحسب ، بل لحظة مفصلية تتعلق بطبيعة الدولة نفسها ، فإما أن تنجح بغداد في إعادة تعريف علاقتها مع الخارج على أساس سيادة حقيقية وقرار مستقل ، أو تبقى عالقة في منطقة رمادية ، تُدار فيها السياسة بالدولار كما تُدار بالسلاح .

أخطر ما في هذه اللحظة ، هو معرفة ما سيحدث إذا استمر هذا الانسداد السياسي ، فهو حال استمراره سيقود لانهيار العملية السياسية برمتها ، لأن الدول لا تنهار فقط عندما تسقط أنظمتها فحسب ، لا بل في احيان كثيرة تتعرض للسقوط عندما تفشل في ملء الفراغ الذي يلي ذلك .


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author